الحلم الكردي يدخل مرحلة الموات بالتدخل العسكري التركي في سورية
عمان- يقدر مراقبون أن الطموح الكردي دخل مرحلة الموات بالغزو التركي لمدينة "جرابلس" والضغط لاخراجهم من مدينة "منبج" المحررة للتو من داعش، ودفعهم مقاتليهم إلى شرق الفرات، وكذلك بفعل انقلاب التحالفات الاقليمية وارتباطهم بالاجندة الأميركية.
فتركيا غزت أول من أمس علنا شمال سورية، لتوجيه ضربة مزدوجة لتنظيم "داعش" في مدينة "جرابلس" الحدودية وكذلك قوات الحزب الديموقراطي الكردي ذراع حزب العمال الكردستاني عدو انقرة اللدود.
الغزو التركي لقي ادانة من جانب دمشق والاكراد على حد سواء. فالحكومة السورية دانت عمليّة الغزو الذي "يطرد ارهابيين ليحل آخرون مكانهم"، بينما اعتبر المتحدّث باسم "وحدات الشّعب الكرديّة السّوريّة" ريدور خليل، بدوره، أنّ الغزو العسكري التّركي في سورية "اعتداء سافر على الشؤون الداخلية السورية"، مدّعيا أنّه "ناجم عن اتفاق بين تركيا وإيران والحكومة السورية".
ورأى أنّ "المطالب التّركيّة بانسحاب وحدات حماية الشعب الكردية شرقي الفرات لا يمكن تلبيتها إلا من قبل تحالف قوات سورية الديمقراطية المدعوم من الولايات المتّحدة".
ورحّب "الائتلاف الوطنيّ لقوى الثورة والمعارضة السورية"، بعمليّة جرابلس.
وأوضح، في بيان، أنّ "مقاتلي الجيش الحر هم من يتولّون العمليات القتالية الميدانية"، مؤكداً على "دعمه للجيش السوري الحر الذي بدأ بمشاركة عدد من الفصائل المقاتلة في حلب، هجوماً على مدينة جرابلس، لتحريرها من تنظيم داعش الإرهابيّ".
وأكد الرئيس التركي استعداد أنقرة لأخذ زمام الأمور في يديها في حال اقتضت الضرورة ذلك من أجل حماية سلامة الأراضي السورية، مصرا في الوقت نفسه على أن الشعب السوري هو من سيقرر مصير بلاده.
وأضاف أن تركيا مستعدة لاتخاذ خطوات مشتركة مع التحالف الدولي وروسيا بشأن سورية.
وكانت أنقرة قد طالبت مرارا بانسحاب القوات الكردية التي سبق لها أن حررت مدينة منبج في ريف حلب من قبضة تنظيم "داعش" الإرهابي.
وفي موسكو، أكد مصدر في وزارة الخارجية الروسية أن جهود محاربة الإرهاب على الحدود السورية التركية تكتسب في المرحلة الراهنة أهمية أكبر من أي وقت مضى، لكنه دعا أنقرة إلى تنسيق تلك الجهود مع دمشق.
ويقول محللون ان موسكو التي بذلت يومين من المفاوضات، من اجل التوصل الى اتفاق وقف النار في الحسكة بين الجيش السوري والمقاتلين الاكراد، لا ثق برغبة الاكراد في احترام الاتفاق، ولا بقدرة الاتفاق على الصمود أمام قرار أميركي بعرقلة العملية الروسية السورية المشتركة في حلب بدفع الاكراد الى خلط الاوراق في الشمال السوري، واستباق أي تقارب سوري تركي، أو تركي روسي ايراني.
ويشعر الاكراد ان مثل هذا التقارب سيكون على حساب طموحاتهم بتأسيس كيان كردي في الشمال السوري، اذ ان التوسع المتواصل لحزب العمال الكردستاني في الشمال السوري، خصوصا نحو الغرب، لوصل كانتونات الحسكة شرقا، وعين العرب في الوسط، بعفرين غربا، والمزيد من العسكرة، سيؤدي تدريجيا إلى تسريع التقارب الايراني التركي السوري، والى فرض حل اقليمي في سورية على حساب الاكراد اولا، ويقضي على ما تم انجازه حتى الآن.
وتقول معلومات عربية، ان وفدا امنيا سوريا قد يتوجه في الايام المقبلة الى أنقرة للبحث في التقدم الكردي في الشمال، واحياء التعاون في اطار "اتفاقية اضنة" الأمنية ضد حزب العمال الكردستاني، وهو ما يثير مخاوف كردية، ادت إلى تسريع عمليات الحسكة.
وبحسب مصادر، طالب الاكراد في اجتماعات حميميم، بتعهد سوري بعدم التعاون امنيا مع انقرة. وتبدو المخاوف الكردية مبررة، خصوصا ان الاتراك يعدّون لعملية لن تتوقف عند الدخول الى جرابلس، لمنع تمدد الاكراد غربا، وانما للعودة الى منبج نفسها، والمطالبة بخروج القوات الكردية منها، طبقا للوعود التي قدمها الاميركيون للحكومة التركية، بأن الهدف من دعم الاكراد هو فقط التخلص من "داعش" في منبج، لتسليمها في ما بعد للالوية العربية، في ما يسمى "مجلس منبج العسكري".
ويقول خبير غربي يعمل في منطقة القامشلي، ومقرب من حزب العمال الكردستاني، إن الاتحاد الديموقراطي كان يعد لعملية الحسكة منذ اشهر، وأنه عرض في شهر كانون الاول من العام الماضي على الأميركيين القيام بعملية واسعة "لتنظيف" الحسكة من الجيش السوري، ودخول المربع الامني في القامشلي مقابل ان تتعهد واشنطن تمويل رواتب الموظفين في المنطقة وتشغيل ميزانية المنطقة. اذ ما تزال الحكومة السورية ترسلها نهاية كل شهر، وتشتري المحاصيل الزراعية، وهو ما يشكل يشكل عنصرا حيويا في تمويل الادارة الذاتية الكردية نفسها في القامشلي. ويقول الخبير الغربي، إن الاميركيين رفضوا ذلك، وأن البنتاغون يرفض الخوض، في الشق السياسي او المالي من التعاون مع وحدات حماية الشعب الكردية، ويعتبر ان التعاون عسكري بالدرجة الاولى.
ويرى المحللون ان الروس انتزعوا في حميميم من الطرفين، اتفاقا اوليا وامنيا وشكليا يحتوي الهجوم الكردي الحالي، ولكنه لن يمنع هجوما كرديا مقبلا لن يتاخر كثيرا. ولمعالجة مسألة بحجم الاهمية الاستراتيجية للحسكة، التي تقرر جزءاً كبيراً من مستقبل سورية، التي لم تتوقف عن مواجهة تهديد اجنحتها الشمالية، منذ احتلال تركيا للواء الاسكندون العام 1939. التفاهم في حميميم بعد 48 ساعة من المفاوضات، لم يذهب ابعد من وقف لاطلاق النار، اعادة فتح الطرق بين القامشلي ومدينة الحسكة ونحو تجمعات الجيش السوري، تبادل الشهداء والاسرى والجرحى، والابقاء على قوات الامن العام والاجهزة الامنية السورية، وقوات الأسايش الكردية داخل المدينة. كما يعيد الاتفاق طرح قضية الموظفين الاكراد المسرّحين من اعمالهم في الادارة السورية، اضافة الى بند غامض ينص على المساعدة على حل المشكلة الكردية. وهو بند جنّب الطرفين الخوض في اصل النزاع بينهما، حول المسألة الكردية في سورية. اذ رفع الوفد الكردي سقف التفاوض اعلى مما تستدعيه "اشتباكات" ظرفية. واختبر موقف دمشق، في لحظة تراجع، وطلب الاعتراف بالادارة الذاتية الكردية، بحسب مصادر عربية في حميميم. ويقول مسؤول سوري انه كان مستعدا للخروج من قاعة المفاوضات ومواجهة كل الاحتمالات، على القبول بالتفاوض على مطلب من هذا النوع، تحت النار خصوصا، فيما قال مسؤول سياسي في دمشق، إن بند البحث بالمشكلة الكردية ، كما "نراه" لن يتعدى البحث في مشاكل التجنيس وحل بعض قضايا الاحوال الشخصية.
ويوضح المحللون ان الاتفاق قد لا يرقى الى مستوى ما انتظره المفاوضون الاكراد في حميميم، سيبان حمو، قائد وحدات حماية الشعب، الدار خليل، قيادي حركة المجتمع الديموقراطي الكردي، او ريدور خليل، الناطق باسم وحدات حماية الشعب، لانه سيؤخر ضم مدينة الحسكة وريفها نهائيا الى الكيان الكردي الوليد، لكنه يستكمل السيطرة على اغنى محافظات سوريا التي تبلغ مساحتها 23 الف كلم مربع، أي أكثر من ضعف مساحة لبنان، فضلا عن امتلاكها كل العناصر الاقتصادية التي تجعل الكيان الكردي قابلا للحياة بعيدا عن المركز الدمشقي.
وتحوي المحافظة أكثر من ثلثي النفط والغاز السوري في حقول الرميلان والهول والجبسة، وتنتج سهولها اكثر من مليون طن من الحنطة سنويا وتضم اكبر مصادر المياه والطاقة السورية في سلسلة السدود والبحيرات، من سد الفرات الى سد تشرين، فبحيرة الاسد.
وقالوا ان الاتفاق لا يستجيب لموقف دمشق ولقناعة ضمنية ان المطلوب هو تأجيل المواجهة الى حين استعادة دمشق المبادرة والتفرغ لدخولها بشروط افضل، رغم ان دمشق ارسلت الى القامشلي وجبل كوكب تعزيزات اضافية، لمواجهة احتمال الهجوم على مراكز الجيش. ويبدو الاتفاق هشّاً، اذ لم يضمّنه المفاوضون، أية الية تنفيذية على المدى المتوسط لمراقبة التطبيق. كما لم يقترح المفاوضون اي اطار لتجنب المواجهات المقبلة باستثناء التحدث الى الروس والعودة الى حميميم للتفاوض.
الاتفاق حمل بنودا، مع ذلك ترجّح كفة المطالب الكردية، وتعكس انتصارا لاستراتيجية القضم الكردية لمدينة الحسكة وأريافها، خصوصا ان التفاهم لا يعيد الاكراد الى خطوط الانتشار السابقة، كما يعني خسارة الدولة السورية عملياً قوة عسكرية محلية رديفة، رغم سوء سمعتها في المدينة، اذ لم يأت الاتفاق على تحديد مصير قوة "الدفاع الوطني" التي طالب الاكراد بحلّها.
وحسب المحللين فان الاندفاعة الكردية رغم اتساعها، تبدو محكومة اكثر فاكثر بالاستراتيجية الاميركية في سورية، وبالقلق من مؤشرات استراتيجية اقليمية لاحتواء مشروعهم في سورية. ويقول خبير غربي يعمل على الملف الكردي في الشمال السوري، ان حزب العمال الكردستاني وفرعه السوري في مأزق، ويشعران بالاحباط . اذ من دون الغطاء الجوي الاميركي، الذي حوّل مناطق انتشار وحدات حماية الشعب الكردية، الى "منطقة كردية آمنة"، لن يكون بوسع الاكراد مواصلة التوسع، مما يعني ان المشروع نفسه اصبح رهينة الغطاء الاميركي. ويسود القلق ايضا لان الدعم الاميركي العسكري لم يتحول الى دعم سياسي، وقد يتوقف ايضا في الاشهر المقبلة عندما تبدا مرحلة ما بعد "داعش"، او معركة ما بعد الموصل، لان جزءا اساسيا من المكاسب الجغرافية الكردية تحقق من خلال الشراكة في الحرب على "داعش".
وكان مايكل راتني، المشرف على ائتلاف المعارضة السورية، "ان لا علاقة لنا بحزب الاتحاد الديمقراطي، لكننا نملك علاقة عسكرية بوحدات حماية الشعب، ونحن نريد شريكا قويا على الارض في سوريا، والوحدات شريك قوي، وانصحكم بالتحدث الى الاتحاد الديموقراطي لانه سيبقى في سورية ولا نريد ان يتقاتل الجيش الحر والاكراد".
وابلغ راتني المعارضة الائتلافية "ان الاكراد قد طلبوا منا الاعتراف بروج افا، لكننا رفضنا، وقلنا لهم ان طاولة المفاوضات هي التي تحدد مستقبل الدولة السورية".
ويؤكد المحللون ان من شأن الاستعداد الاميركي الروسي، للتنسيق مع دمشق في عملياتها الجوية في الشمال السوري، ان يعمق الريبة الكردية بواشنطن، خصوصا ان ردود فعلها على ضربات سلاح الجو السوري للاكراد في معركة الحسكة اقتصر على حماية المستشارين الاميركيين.