المخابرات الأردنية قراءة تحليلية
جفرا نيوز - خاص - كتب- هبوب الجنوب
في بلادنا – حماها الله – على اتساع الفؤاد الأردني , درجت العادة أن تحمي المخابرات
الإعلام وتدافع عنه :- حين يكون وطنيا صادق , يحمل رسالة البلد وأهلها ..وليس من العرف أن يدافع إعلامي عن المخابرات , حسنا ..هذا إستدارك لابد منه في مقدمة هذا المقال , وهو ليس موجه للأستاذ صالح القلاب , الذي نجل مكانته ودوره , ونحن ننظر له أن صحفي عربي مهم ..له صولات وجولات , وقادر علة تجديد نفسه دوما .
قال الشهيد وصفي التل ذات محاضرة , في مدرج سمير الرفاعي لطلبة واساتذة الجامعة الأردنية , وفي معرض حديثه عن الدولة ومؤسساتها :- نحن مخابرات دولة ولسنا دولة مخابرات , وتلك جملة تحمل اختصارا مهما ومعنى عميقا لجهاز المخابرات الأردني من حيث الدور , والأداء ..وفيما بعد تلقف الذهبي الجملة , وبدأ يتداولها علما بأن مطلقها هو الشهيد وصفي التل ...ورددها الشهيد في اخر محاضرة له جمعته من الأستاذ إبراهيم بكر في نادي الأردن عام (1971) .
حسنا , لماذا تستهدف المخابرات الأردنية ؟...حين نكون مخابرات للدولة فالمستهدف هو الدولة , ذاك أن المخابرات هي عصبها , وهي الجهاز الأدق والأخطرفيها , ومن المهم أن نشير هنا إلى أن الروس قدموا مؤخرا شهادة مهمة في طريقة عمل وكفاءة هذا الجهاز ..فحين اصرت الفيدرالية الروسية , على أن يكون جهاز المخابرات الأردني هو المرجعية الدولية في تصنيف الجماعات الإرهابية عن غيرها في سوريا , كان هذا الإصرار مرده إيمان الأجهزة الأمنية الروسية , بأن المخابرات الأردنية هي الجهاز الأكفأ في المنطقة الذي يمتلك (الداتا) الأقوى حول ما يحدث في سوريا , لهذا فخيار الروس لا يقع في باب المجاملة بقدر ما يقع في باب , الدراية والمعرفة ...
الشوبكي هو صاحب مدرسة إستخبارية , عميقة جدا ..هو يؤمن بحماية القرار السياسي دون صناعته بمعنى :- أن المؤسسة الأمنية في الأردن , لا تريد أن تزاحم السياسي في القرار هي تمنحه المعلومة التي تعزز قراره , وتلك خطيئة الذهبي – فك الله أسره – فقد قفز عن عقيدة المؤسسة الأمنية الأردنية , بأن جعل من نفسه منظرا سياسيا أكثر منه رجل أمن إستراتيجي ..لهذا كانت مهمة الشوبكي عسيرة وصعبة , في إعادة التوازن ..وإعادة إنتاج العقيدة الأمنية وثمة فارق كبير بين الأمني والمفكر الأمني الإستراتيجي , وبين السياسي والمؤسسة التي تحمي قرار السياسي ...
حسنا , سأوضح الأمر أكثر ...في الملف السوري , حافظ جهاز المخابرات الأردنية على توازن خطير جدا , وإستطاع حماية الأردن ...عبر إختراقه للشبكات المسلحة في سوريا وعبر تقديمه (الداتا ) التي شكلت مرجعية مهمة للسياسي , في إصدار الموقف أو القرار ...ناهيك عن أن الإستراتيجية الأمنية التي اتبعها الشوبكي في التعاطي مع حدود صاخبة وملتهبة , كانت تقوم على إبعاد الصراع مسافة امنة عن حدودنا ..,هذه المسافة , ترتبط إستخباريا بمعرفة الجهاز الأمني الأردني , لمدى القذائف التي تملكها بعض الفصائل والجبهات ..وتلك مسألة دقيقة وشائكة ....أحيانا بعض القذائف يتعدى مداها ال (5) كيلو متر ..وبعضها أقل من ذلك لهذا فالإستراتيجية الأمنية التي اتبعتها المخابرات في حماية الحدود , كانت مرتبطة بمعرفة شكل التسليح ونوعه لدى تلك الجهات ...وما هي المسافة التي يجب أن يبتعد فيها الصراع عن حدودنا , بحيث يكون مدى القذائف غير ناجعا أبدا
الأمر الاخر الأكثر أهمية والذي نود أن نشير له , أن نجاح الجهاز الأمني الأردني وفي تعاطيه مع الحركات الإرهابية مرتبط بعدد الضحايا , لاحظ أن داعش في إشتباكها مع الجيش المصري ..أوقعت العديد من الشهداء من مرتبات هذا الجيش الكبير , وفي اشتباكها مع الحالة الليبية , أوقعت الكثير من الضحايا , وفي عملياتها الإرهابية داخل العمق السعودي إستطاعت إيقاع كما كبيرا من الشهداء ....بالمقابل في الحالة الأردنية , علما بأننا الأقرب جغرافيا لهذا التنظيم ..نعتبر أننا الدولة الأقل شهداء في الصراع مع داعش , وهذا الأمر يعود إلى نشاط المخابرات في كبح جماح هذه العصابة , وقدرتها على الإختراق ..
إن عمل أي جهاز أمني يرتبط بالدرجة الأولى في عقيدة الجهاز , وحجم القدرات وطريقته في العمل ,وتتذكرون كيف أطاحت حرب تموز في العام (2006) برئيس الوزراء الإسرائيلي (أولمرت) ولسبب بسيط مفاده :- أن جهاز الموساد الإسرائيلي وقتها أخطأ في تقدير قوة حزب الله , وفعالية أفراده في إختطاف جنود إسرائيلين ...على الأقل نحن في الأردن نتعامل مع جبهة متنوعة في جنوب سوريا , ..فيها حزب الله ولواء الفاطميين , عصابة داعش , وقوات (الباسيج) ..وجبهة النصرة , والجيش السوري ...ومع ذلك لم تستطع كل هذه القدرات وكل هذه التنظيمات إستهدافنا أو إختراق حدودنا , بعملية ضخمة أو نوعية ..بالمقابل غسرائيل تعاملت مع عدو واضح وله هوية واضحة ..واخترقت .
نحترم رأي الأستاذ صالح القلاب في دفاعه عن مخابراتنا ونقدر له تلك المواقف , ولكن حين نتحدث عن المخابرات الأردنية علينا أن ندرك ...أن هذا الجهاز , ليس مثل بقية أجهزة الدولة فهو من اليوم الأول لإندلاع الأزمة السورية , في حالة حرب ...وإستهداف داعش له لا يقع في باب التحدي فقط, فثمة عمليات لا تعلن للرأي العام , أدمى فيها هذا الجهاز داعش وربما قام بلي ذراعها ...تماما مثلما فعل مع الزرقاوي ومساعده الكربولي ...
الحروب الإستخباراتية , هي حروب صامتة تكشف ملفاتها مع الزمن ..ولكن يسجل للشوبكي أنه أعاد صياغة العقيدة الأمنية لهذا الجهاز , ويسجل له قياساته الدقيقة في المشهد السوري والتي دعمت صانع القرار وقامت بحمايته ...ونجزم أن الرعاية الملكية التي يحظى بها هذا الجهاز كفيلة , وحدها بجعله الجهاز الأقوى والأكثر حرفية في إقليم باتت الحروب فيه إستخبارية أكثر منها عسكرية ...