بريطانيا تزلزل الاتحاد الأوروبي بمغادرته وكاميرون يستقيل

لندن - اختار البريطانيون الخروج من الاتحاد الأوروبي موجهين ضربة قوية للبناء الذي تأسس قبل ستين عاما ومحدثين يوم جمعة اسود، وهي تطورات دفعت رئيس وزرائهم ديفيد كاميرون إلى اعلان استقالته. وبموجب النتيجة النهائية صوت 51,9 % من الناخبين لصالح المغادرة في الاستفتاء التاريخي الذي نظم اول من امس الخميس وبلغت نسبة المشاركة فيه 72,2 %. والضحية الأولى للاستفتاء هو ديفيد كاميرون الذي اعلن استقالته مشيرا إلى ان عملية الخروج من الاتحاد سيقودها رئيس وزراء آخر. وفيما اكد الاتحاد الأوروبي تصميمه على الحفاظ على وحدة اعضائه الـ27، اعتبرت المانيا ان هذا القرار يشكل "يوما حزينا" لأوروبا. وبينت النتائج انقسام المملكة المتحدة اذ صوتت لندن واسكتلندا وايرلندا الشمالية مع البقاء في حين صوت شمال انكلترا وويلز مع المغادرة. وسرعان ما أعلن كاميرون الذي كان وراء قرار تنظيم الاستفتاء، وفي مقدمة حملة البقاء استقالته في تصريح ادلى به امام مقر الحكومة. وقال كاميرون ان "البريطانيين اتخذوا قرارا واضحا واعتقد ان البلاد بحاجة لقائد جديد حتى يسير في هذا الاتجاه"، موضحا انه سيبقى في منصبه حتى الخريف إلى حين تعيين من سيخلفه خلال مؤتمر حزب المحافظين في تشرين الاول (اكتوبر). وقال ان من سيخلفه هو الذي سيبدأ المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي حول عملية الخروج. بريطانيا هي اول دولة تغادر الاتحاد الأوروبي الذي دخلته في 1973 ويشكل قرار البريطانيين تنكرا للاتحاد الذي يعاني من ازمة الهجرة ومن التباطؤ الاقتصادي. واعتبر الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند ان "تصويت البريطانيين يضع أوروبا في مواجهة اختبار خطير" مبديا أسفه "الكبير لهذا الخيار الاليم". وقال انه "لم يعد بوسع أوروبا الاستمرار كما من قبل عليها في هذه الظروف ان تبدي تضامنها وقوتها" وان تركز على الاساسي اي الامن والاستثمار والانسجام المالي والاجتماعي. واعتبرت المستشارة الألمانية انغيلا ميركل اختيار الخروج "ضربة موجهة إلى أوروبا والى آلية توحيد أوروبا". وقالت ان "الشعوب لديها شكوك بشأن الاتجاه الذي اتخذته عملية التوحيد الأوروبية".ودعا رئيس وزراء ايطاليا ماتيو رينزي إلى "تحديث البيت الأوروبي". في حين دعا الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي إلى "معاهدة جديدة" أوروبية تعزز مراقبة الحدود والى وقف عملية توسيع الاتحاد. وقال ان "التبصر يملي علينا ان نقول ان شعور الرفض يشاطره كثير من الفرنسيين والأوروبيين الاخرين. ما قاله الشعب البريطاني يمكن ان تقوله شعوب اخرى في أوروبا. لا ينبغي علينا تجاهله". ويخشى ان يحدث قرار البريطانيين حالة من العدوى في أوروبا مع تنامي الحركات الشعبوية واتفاقها على توجيه الانتقادات لبروكسل والمؤسسات الأوروبية. ودعت زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبن على الفور إلى استفتاء في فرنسا، كما طالب النائب الهولندي عن اليمين المتطرف غيرت فيلدرز بالأمر نفسه لهولندا. واعتبر المرشح الجمهوري للانتخابات الرئاسية الاميركية دونالد ترامب ان خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي امر "رائع" اثر وصوله إلى اسكتلندا. وكما هو متوقع، اكد الرئيس الأميركي باراك أوباما ان لندن والاتحاد الأوروبي يبقيان "شريكين لا غنى عنهما" بالنسبة لواشطن. وأمام شبح تفكك الاتحاد بدأ القادة الأوروبيون العمل لما بعد خروج بريطانيا. وأعلنت ميركل انها دعت ابعد غد لاثنين إلى برلين هولاند ودونالد توسك وماتيو رينزي قبل قمة بروكسل الثلاثاء والأربعاء. وقال رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك ان الاتحاد الأوروبي "مصمم على الحفاظ على وحدة اعضائه السبعة والعشرين". ومن المقرر عقد اجتماع لوزراء خارجية الدول الست المؤسسة للاتحاد ابتداء من السبت في برلين. يفترض ان تبدأ بريطانيا عملية تفاوض قد تستمر سنتين مع الاتحاد الأوروبي حول شروط الخروج، وفي هذه الاثناء تبقى ملتزمة بالاتفاقات المبرمة. ولكن قادة المؤسسات الأوروبية حثوا لندن منذ الجمعة على البدء في اسرع وقت بهذه المفاوضات معلنين انهم مستعدون لذلك. وفي بريطانيا تطرح استقالة كاميرون تكهنات حول خليفته بعد ان دار الحديث عن تطلع زعيم حملة الخروج المحافظ بوريس جونسون رئيس بلدية لندن السابق للمنصب، في حين يتعين اعادة توحيد الحزب والبلاد المنقسمين. ووقع اكثر من أربعين ألف شخص الجمعة عريضة تطالب ببقاء لندن في الاتحاد الأوروبي مع اعلان رئيس بلدية العاصمة البريطانية ان المدينة يجب ان يكون لها كلمة في مفاوضات الانفصال. ولدى خروج جونسون من منزله استقبله حشد من نحو مئة شخص من مؤيدي البقاء بهتافات "أحمق". وقال لاحقا للصحافيين ان الخروج من الاتحاد الأوروبي يجب ان يحدث "بدون استعجال". وقال زعيم حزب "يوكيب" المناهض لأوروبا نايجل فاراج انه بدأ "يحلم ببريطانيا مستقلة"، مؤكدا ان النتيجة تشكل "انتصارا للناس الحقيقيين والناس العاديين". ودعا فاراج إلى العمل فورا على تشكيل حكومة تعكس تطلعات معسكر "الخروج". ولا يهدد خيار المغادرة اقتصاد بريطانيا فحسب وانما كذلك وحدتها اذ اعلنت رئيسة وزراء اسكتلندا نيكولا ستورجون زعيمة الحزب القومي الجمعة ان خطة تنظيم استفتاء ثان للاستقلال باتت "على الطاولة". وفي ايرلندا الشمالية دعا حزب "شين فين" المؤيد للبقاء في الاتحاد الأوروبي إلى الاستفتاء على توحيد ايرلندا،وهو ما رفضه قادة ايرلندا وايرلندا الشمالية التابعة لبريطانيا . وقال رئيس وزراء ايرلندا اندا كيني ان "هناك امورا اكثر اهمية وتتطلب معالجة فورية" داعيا البرلمان إلى جلسة طارئة الاثنين، وفق وسائل الإعلام. ورفضت رئيسة حكومة ايرلندا الشمالية ارلين فوستر ايضا فكرة تنظيم استفتاء حول الوحدة. صوت غالبية سكان ايرلندا الشمالية مع البقاء في الاتحاد الأوروبي لكن بريطانيا بمجملها صوتت مع المغادرة ما دفع بمسؤولين في حزب "شين فين" القومي الشريك في حكومة بلفاست إلى الدعوة إلى استفتاء للوحدة مع جمهورية ايرلندا.وقال رئيس الحزب القومي ديكلان كيرني "لدينا وضع حيث سيتم جر الشمال إلى الخارج في اعقاب التصويت في انكلترا. شين فين سيشدد الان على مطلبنا، مطلبنا منذ فترة طويلة، من اجل التصويت على الحدود. واعتبرت مدريد ان الخروج من الاتحاد الأوروبي يتيح لها استعادة جبل طارق في حين تسعى لندن إلى طمأنة هذا الجيب البريطاني في جنوب اسبانيا. وصوت سكان جبل طارق باغلبية 90% من اجل البقاء في الاتحاد الأوروبي. وسيتيعن على بريطانيا كذلك العمل على تضميد الجراح التي سببتها الحملة التي تخللتها خطابات جارحة وقتلت خلالها النائبة جو كوكس المؤيدة للبقاء واعتبر المهاجرون سبب الكثير من المشكلات. وعبر الامين العام للامم المتحدة بان كي مون عن امله في ان يبقى الاتحاد الأوروبي "شريكا قويا" للمنظمة الدولية في المسائل الانسانية والسلام والامن "بما يشمل الهجرة". من جهتها، عبرت روسيا عن املها في ان يتيح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تحسين العلاقات بين لندن وموسكو. وقال الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف "نامل في هذا الواقع الجديد، ان تطغى ضرورة اقامة علاقات جيدة" معبرا عن اسفه لعدم "وجود رغبة تعاون من جانب شركائنا البريطانيين حتى الآن". وأعلنت الصين انها "تحترم" قرار الناخبين البريطانيين معبرة عن رغبتها في أوروبا "مزدهرة ومستقرة". وكان الصينيون والبريطانيون اعلنوا في الاشهر الماضية عن "عصر ذهبي" للعلاقات بين البلدين فيما دعا الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال زيارته إلى بريطانيا في تشرين الاول(اكتوبر) لندن إلى البقاء ضمن الاتحاد. واكد رئيس وزراء كندا جاستن ترودو ان بلاده ستواصل علاقاتها مع بريطانيا والاتحاد الأوروبي اللذين وصفهما بانهما "شريكان استراتيجيان مهمان تربطها بهما علاقات تاريخية عميقة".-(ا ف ب)