ركائز اللامركزية الاقتصادية لتعزيز الاقتصاد الإنتاجي في الأردن
جفرا نيوز-كتب:عدي ماهر الواكد
يمكن قراءة إقرار قانون اللامركزية الأردني مؤخرا على أنه خطوة في طريق طويل لنقل تاريخي لمركزية اتخاذ القرار من السلطة ذات الدوائر الضيقة والتقليدية والتي عادة ما تنتقد على انفصالها عن حاجات ومطالب المحافظات البعيدة عن العاصمة، الى سلطة أشمل وأكثر تنوعا ومعرفة باحتياجات الشعب. بحسب مسوغات القانون فقد تم ذكر أهمية اللامركزية في الأردن والتي تمثلت في زيادة المشاركة الشعبية في صنع القرار التنموي من خلال مجالس تنفيذية برئاسة المحافظين كما يتشكل في كل محافظة مجلس المحافظة حيث يتم انتخاب 75 % من أعضائه من قبل الناخبين لتصبح وظيفة هذا المجلس هي إقرار مشروعات الخطط الاستراتيجية والتنفيذية الخاصة بالمحافظة والمحالة اليه من المجلس التنفيذي إضافة الى المشاركة في إقرار مشاريع الموازنة السنوية الخاصة بالمحافظة ومراقبة تنفيذ الموازنات السنوية للبلديات التابعة لها وتحديد احتياجات المحافظة من المشاريع الاقتصادية المختلفة كالخدماتية منها والتنموية.
ما ورد من أهداف للقانون يعتبر واعدا ولهذا فلأغراض تطبيق هذا التحول بشكله السليم تصبح هناك ضرورة لوجود آلية للتنفيذ بحيث تضمن الوصول الى اللامركزية الاقتصادية بشكلها الأمثل، فمن أبرز مظاهر اللامركزية الاقتصادية أنها تقوم على تقسيم الأقاليم أو المحافظات اقتصاديا بما يتيح تطبيق مشاريع موجهة لحاجات المواطنين والتركيز على الميزة التفاضلية "Comparative Advantage" لكل محافظة وهذا سيجعل لكل محافظة خاصية اقتصادية فاعلة تتميز بها إنتاجيا بما يضمن زيادة مساهمة المحافظات في الناتج القومي الإجمالي للدولة ككل وبناء اقتصاد إنتاجي بديلا عن الاقتصاد الريعي كما أنه يضمن بقاء عدد أكبر من السكان داخل منطقتهم ويقلل من الهجرة الى المحافظات الكبرى بعد زيادة فرص توزيع الموارد وعوائد التنمية.
المتتبع لقانون اللامركزية الاردني يرى فيه مقدمة لسلسة قوانين من الضروري أن تتبعه مستقبلا لتطوير آليات تنفيذ اللامركزية الاقتصادية، فتكامل اللامركزية الاقتصادية يستوجب تطبيقا متوازيا للامركزية الإدارية لأغراض انشاء هياكل صحيحة تسهم في الوصول الى الأهداف المنشودة للامركزية، فعلى سبيل المثال لتطبيق أهداف الحالة الأردنية في اللامركزية وجعل المشاريع الإقتصادية وقرارات الإستثمار من خلال الإرادة الشعبية لسكان المحافظة هناك ضرورة لإيجاد هياكل تمويل تكون مهمتها الرئيسية ادارة الانفاق التنموي في كل محافظة بحيث يمكن إطلاقها كصناديق تمويل مستقلة وتخضع ادارتها للمجتمع المحلي وتتولى هذه الصناديق عملية الموافقة على تمويل المشاريع من خلال دراسات محددة للجدوى ولضمان نجاح هذه المشاريع من الملائم أن يتم ربط قرارات التمويل بأهداف سنوية يستوجب على كل مشروع تنفيذها للحصول على التمويل، فهناك دول كدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تتبع سياسة ربط الكفاءة الإنتاجية لمؤسسات القطاع العام بأهداف محددة ضمن استراتيجيات معلنة وثم تربط تمويل هذه المؤسسات بمدى تحقيقها لهذه الأهداف. في هذا السياق قد يقول قائل بأن سياسة تحديد اهداف إنتاجية للقطاع العام في ظل عدم إستقرار ديمغرافي وثقافي بسبب أزمات اللجوء كما يحدث في الأردن وفي ظل الضغط على قطاعات حيوية كالتعليم والصحة قد لا تكون سهلة التحقيق وهذا رأي فيه صواب، إلا أنه و من جانب اخر فمن ميزات سياسة تحديد الأهداف هو تحفيز المؤسسات العامة على إبتكار أساليب إدارية ناجحة لتحقيق هذه الأهداف فمثلا في قطاعات كالقطاع الصحي في أمريكا وبريطانيا يتم تنفيذ برامج لزيادة الفعالية والإبتكار من أجل ان تقوم المرافق الصحية باستيعاب المرضى ويشمل ذلك إستراتيجيات لتطوير العمليات الإدارية داخل هذه المرافق بما يتلائم مع الارتفاع في طلب الخدمة ولضمان أداء العمل بفعالية ودون المخاطرة بصحة المريض, في المقابل يحصل كل مستشفى حكومي يحقق هذه الأهداف على دعم وتمويل تحفيزي لمساعدته على الإستمرارية في الخدمة وتطويرها.
إن تحديد الأهداف الرقمية والكمية والتي يمكن فحص كفاءة المؤسسات بناء على تحقيقها في نهاية كل عام يعتبر بحد ذاته عملا ينتج بعد دراسات بحثية مطولة لطبيعة الحالة الاقتصادية ومتطلبات كل قطاع وكما أن قرارات التمويل في نظام اللامركزية يجب ان تكون مرتبطة بهذه الأهداف لضمان التمويل المنتج للمشاريع الناجحة وتجنب الدخول في إستثمارات ومشاريع لا تحقق الأهداف المعلنة.
اللامركزية أيضا لها فوائدها في قطاعات متعددة فالقطاع التعليمي على سبيل المثال قادر على الاستفادة من تجربة اللامركزية وهناك أمثلة من الدول المتقدمة تعد ناجحة في لامركزية التعليم ففي دول كألمانيا واليابان هناك استقلالية محددة في إدارة العملية التعليمية في الولايات المختلفة لكنها محكومة بإطار عام يخدم استراتيجية الدولة المعلنة على الصعيد التعليمي والتي تحددها السلطة الفيدرالية. وبالنظر الى الديمغرافيا الأردنية وموجات اللجوء ونسبة اللاجئين قياسا بعدد السكان فقد يكون هناك ضرورة في تعديل بعض أساليب ومدخلات التعليم لتوائم ثقافة وهوية بعض المجتمعات المحلية في بعض المناطق التي تتأثر باللجوء.
تبدو الطريق طويلة نحو الوصول الأمثل الى اللامركزية الاقتصادية ولكنها بطبيعتها ضرورة من أجل بناء الاقتصاد المستدام والتحول من الاقتصاد الخدماتي نحو الاقتصاد المنتج ولهذا من المنطقي أن يستتبع قانون اللامركزية قوانين فرعية مستقبلا لإنشاء هياكل التمويل وقياس كفاءة القطاعات الاقتصادية بناء على التحول الاقتصادي المنتظر.