عن عمدة لندن الجديد ونفاقنا الاجتماعي
جفرا نيوز -كتب : بلال حسن التل
انشغلت مواقع التواصل الاجتماعي على وجه الخصوص, ووسائل الإعلام على وجه العموم في بلدنا, بفوز مسلم من أصل باكستاني هو صادق خان بمنصب عمدة لندن, ثاني أهم منصب في بريطانيا بعد رئيس الوزراء, وقد اتخذ الانشغال بهذا الحدث في بلدنا أكثر من بعد, فمن الناس من انبهر بسلوك عمدة لندن الجديد وهو ينتظر وصول حافلة من حافلات النقل العام للذهاب إلى عمله, ثم انبهروا بصوره أثناء ركوبه في الحافلة, لكن أحداً من هؤلاء الذين انبهروا بسلوك الرجل لم ينتبه إلى ان أحداً من المواطنين في لندن لم يحاول أن يقتحم خصوصية الرجل, كما نفعل نحن في بلادنا, وهو الاقتحام الذي يقع فور ظهور المسؤول في موقع عام, حيث يأخذ هذا الاقتحام عندنا أشكالاً ومظاهر كثيرة, تبدأ بطلب العشرات التقاط الصور مع هذا المسؤول ليروجوا فيما بعد أنهم من أصدقائه ومعارفه, في واحدة من أهم مظاهر النفاق والرياء الاجتماعي التي يعاني منها مجتمعنا.
ومثلما لم يقتحم أحد خصوصية صادق خان بحجة التقاط صور معه, فإننا لم نر في الصور المنشورة تدافعا للناس للسلام عليه ونيل بركته, كما نفعل نحن حال ظهور أي مسؤول في مناسبة أو مكان عام, في مظهر آخر من مظاهر الرياء والنفاق الاجتماعي الذي نعاني منه, مثلما نعاني من الفصام النكد بين ما نقول وما نفعل ذلك أنه في الوقت الذي نملأ فيه صفحات التواصل الاجتماعي بذم المسؤولين وكذلك نفعل في جلساتنا الخاصة, فإننا نسارع إلى كيل المديح لهم عندما نلتقيهم, أو عندما نتنافس على دعوتهم إلى مناسباتنا, بل لنقيم مآدب التكريم لهم في صورة أخرى من صور الرياء والنفاق الاجتماعي الذي نمارسه.
مظهر آخر من مظاهر عدم اقتحام خصوصية عمدة لندن في موقف الحافلات, أو أثناء ركوبه للحافلة هو أننا لم نر صوراً لجموع من الناس تسلم الرجل عرائض واستدعاءات وطلبات, كما يحدث عندما يظهر مسؤول في بلدنا بمناسبة أو مكان عام, بعد أن أصبح التقدم بالعرائض والاستدعاءات عادة أردنية مذمومة, وواحدة من ممارسات انتهاك خصوصية الشخصيات العامة في بلدنا, وهي ممارسات لم تعد مقتصرة على فئة دون أخرى من شرائح مجتمعنا, فقد صارت سمة عامة تجعلني أطرح سؤالاً عن إمكانية أن يقتحم أحد أعضاء مجلس العموم البريطاني مكتب ووقت عمدة لندن بدون موعد مسبق كما يفعل غالبية السادة النواب في بلدنا, عندما يقتحمون مكاتب الوزراء والأمناء العامين وسائر المسؤولين بلا مواعيد فيعتدون على أوقات المسؤولين فيعطلون مصالح المواطنين عندما يشغلون المسؤول عن إنجازها.
خلاصة القول في ظهور عمدة لندن الجديد في موقف الحافلات ثم في الحافلة أنه جزء من سلوك اجتماعي عام, يحمي خصوصية المسؤولين من جهة, ويعبر عن احترام الناس هناك لأنفسهم, بإتقانهم لفن المطالبة بحقوقهم, من خلال القنوات القانونية,من خلال مجموعات الضغط بعيداً عن أساليب التملق والتوسل بالعرائض وهو ما يجب أن ندرب أنفسنا عليه.
وقبل أن ننتقل من دلالات ظهور عمدة لندن الجديد في موقف الحافلات. ومن ثم في الحافلة لابد من الإشارة إلى حقيقة مهمة, وهي قضية التعامل مع المال العام ومرافقه, فكل من رأى صور عمدة لندن الجديد في موقف الحافلات ثم في الحافلة, سيلاحظ مدى سلامة الموقف والحافلة, لأن أحداً هناك لا يفكر بالعبث بالمال العام وبمرافقه, بينما نرى في بلادنا كيف يتم تدمير مواقف الحافلات والعبث بالحافلات نفسها, ولازالت في ذاكرتنا صور العبث والضرر الذي ألحقناه بحافلات مؤسسة النقل العام, أيام كان لدينا نقل عام محترم, وهذه قضية تثير أسئلة أولها: أين هي جهود المجتمع المدني المنظمة القادرة على الضغط على مواقع القرار في بلدنا, من أجل توفير قطاع نقل عام مؤهل وقادر على حل مشكلاتنا اليومية مع النقل؟ ثم أين دور القطاع الخاص الأردني المؤمن بوطنه وتنميته من المساهمة في حل مشكلة قطاع النقل العام في بلادنا؟ وهنا لابد من تذكير أصحاب الملايين في بلدنا أن القطاع الأهلي لعب دوراً مركزياً في تأسيس الدولة الأردنية في بواكيرها الأولى في كل القطاعات, وأولها النقل والطاقة وخاصة في مجال توليد الكهرباء, فلماذا تراجع هذا الدور ولماذا صار»هم» أصحاب رؤوس المال في بلدنا تكديس المال بعد تهربيه إلى الخارج مروراً بالتهرب الضريبي؟ وأين هي مشاريع المسؤولية الاجتماعية الحقيقية التي يدعمها القطاع الخاص في بلدنا؟
خواطر كثيرة أثارتها ردود الأفعال على اختيار مسلم من أصل باكستاني عمدة للندن أولها التعليق على ظهوره في موقف الحافلات, وهو الظهور الذي يجب أن يمارسه المسؤولون في بلدنا, لكن هذا لن يتم إلا إذا تخلصنا نحن من ممارسات الرياء والنفاق الاجتماعي وتعلمنا كيف نطالب بحقوقنا ونحافظ على مالنا العام ومرافقه.