«الفقر والبطالة» عدو داخلي أكثر خطورة من المتربصين خلف الحدود

جفرا نيوز -  كتب : عمر محارمة
تظهر الحكومات المتعاقبة حالة من العجز في مواجهة الخطر الاقتصادي والاجتماعي والامني الذي تسببه الارتفاعات المستمرة في أرقام الفقر والبطالة، ولا يإخذ هذا الملف حقه من الإهتمام رغم إجماع الساسة والأكاديميين على أنه أخطر من التهديدات الأمنية الخارجية.
فرغم تفاقم الأخطار الخارجية المحيطة بالأردن بسبب الظروف الأمنية التي تعيشها دول الجوار، الا أن « الفقر والبطالة» تتصدران هواجس علماء الاجتماع والسياسيين ورجال الإقتصاد بإعتبارهما الخطر الاكبر الذي يواجه الأردن.
الأثر المتوقع لتفاقم الفقر والبطالة أهم هاجس يهدد الاستقرار الداخلي والوضع الأمني لما لهما من أثر مباشر على مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية،وهو ما دفع شخصيات سياسية بحجم رئيس الحكومة ورئيس مجلسي الاعيان والنواب الاسبق طاهر المصري لإطلاق عبارة «إرهاب الجوع أخطر من إرهاب السياسة» مشيرا في حديث صحفي سابق الى أنه لا يخاف على الأردن من التطرف خارج الحدود أو من محاولات عصابة «داعش» مهاجمة الأردن بقدر خوفه من تداعيات الأحوال الاقتصادية على الاستقرار الداخلي.
هذه المخاوف يعززها إهمال حكومي لملفي الفقر والبطالة، وهو إهمال لا يعني بالضرورة عدم تصديها للملفين وإنما إخفاقها في وضع آليات تصد ناجعة ومؤثرة وعجزها عن إجترار حلول خلاقة في هذا المجال.
المخاوف من الآثار الناتجة عن إرتفاع نسب البطالة وتزايد أعداد الفقراء ملحوظة في شوارعنا التي تعاني من تزايد لنسبة الجريمة وخصوصا الإقتصادية (الاحتيال، المخدرات، السرقة...الخ) والتي ترتبط بشكل مباشر بتفشي الفقر والبطالة دون أن يهز ذلك وجدان المسؤولين بشكل يكفي لمواجهة تداعيات ذلك خصوصا على الجانب السياسي والأمني.
محاولة الإنتحار الجماعية لخمسة شباب عاطلين عن العمل الاسبوع الماضي، تشكل -رغم أنها محاولة صبيانية مراهقة- جرس إنذار للمخاطر المحتملة لحالة العجز التي تبديها الاجهزة الرسمية في التصدي لخطر نفاد الفرص أمام الشباب.
مما لا شك فيه أن الحكومات المتعاقبة فشلت في التصدي لخطر الفقر الذي يتهدد المجتمع بكثير من التبعات السلبية مثل انتشار الجريمة والرذيلة وتسرب الاطفال الفقراء من مدارسهم وانخراطهم في سوق العمل وتعرضهم للاستغلال والاعتداء، وتفشي الامية والجهل في المجتمع، إضافة الى مخاطر ظهور الاحتقان الطبقي الذي قد يتولد عند الطبقة الفقيرة بسبب الشعور بالتهميش والذي قد يستغل من أعداء الوطن.
ثلث الأردنيين فقراء أو يكادون، هذا ما يؤكده تقرير للبنك الدولي صدر قبل عدة أشهر، وحمل دلائل وارقاما لا تتفق مع الأرقام المعلنة من قبل الحكومة عن نسبة الفقراء حيث تقدرهم دائرة الإحصاءات العامة بـ 14.4% من السكان فيما يضيف البنك الدولي الى تلك النسبة 18.6% من الأردنيين الذي وصفهم بأنهم فقراء عابرون أي أنهم عاشوا فقراء لمدة ثلاثة أشهر من السنة على الأقل.
ويكشف تقرير البنك الدولي الجديد عن أن الـ 18.6% من مجموع السكان الأردنيين مهددون بالانضمام إلى الفقراء الذين تبلغ نسبتهم 14.4% ليصل مجموع الفئتين الى 33% أي أن ثلث الأردنيين فقراء.
في آخر مسح معلن للدخل ونفقات الأسرة كانت 230 ألف أسرة «قرابة مليون فرد» دخلها أقل من 350 دينارا شهريا، ويمثل هؤلاء 18 % من إجمالي الأسر الأردنية البالغ عددها 1.253 مليون أسرة.
وأشار المسح إلى أنّ هناك 92.556 ألف شخص في الأردن دخله أقل من 150 دينارا شهريا، فيما هناك 122.4 ألف شخص دخله يتراوح ما بين 150 الى 200 دينار، وهناك 174 ألف شخص دخله بين 200 و250 دينارا، كما أن هناك 225.6 شخص دخله بين 250 و300 دينار، وهناك 338 الف شخص يتراوح دخلهم ما بين 300 الى 350 دينارا شهريا.
الدراسات المسحية أظهرت أن الفقر إرتفع 5.5% خلال السنوات الخمس الماضية فيما زادت نسبة البطالة بنحو 2%، وهي أرقام يرى الخبراء الإقتصاديون أنها مخففة ولا تحتسب نسب «البطالة المقنعة» أو الفقراء من غير حملة الأرقام الوطنية.
وبحسب دراسة البنك الدولي فإن الجهود الحكومية في مكافحة الفقر لم تسهم في تخفيضه من خلال أشكال المساعدات كافة المقدمة من المؤسسات الحكومية بما في ذلك المقدَّمة من صندوق المعونة الوطنية والبالغة 219.1 مليون دينار، والتي تشكل 79.2 % من دخول وإنفاق الأسر المستفيدة من خدماته بما يعني أن معونات الصندوق تكاد تكون الدخل الوحيد لمعظم الأسر التي تتلقى مساعدة مالية شهرية منه.
نسبة الفقر تفاقمت بفعل إخفاق الحكومة في تحقيق تنمية فعلية في المحافظات، وعجزها عن الارتقاء بالخدمات العامة الأساسية، بل وعجزها حتى عن الحفاظ على مستوى هذه الخدمات دون تراجع بفعل الضغط الذي ولده تدفق اللاجئين السوريين وغيرهم على المملكة وما شكله ذلك من ضغط فعلي على الموارد والبنى التحتية.
محاربة الفقر تتطلب جهدا وطنيا وسياسات حقيقية لمعالجة هذه الظاهرة الخطرة والمقلقة وتوسيع الطبقة الوسطى من خلال دعم حقيقي للمشاريع الصغيرة والمتوسطة وتوزيع عوائد التنمية بشكل عادل والإلتفات الى المحافظات بشكل أكبر في التخطيط لاقامة المشروعات وتنفيذها.
اتساع ظاهرة الفقر يرتب مخاطر حقيقية على كل شيء وأول تلك المخاطر ستكون أمنية ، وبصورة لا تقل خطورة عما تجابهه قواتنا المسلحة الباسلة على حدودنا الشرقية والشمالية، فهل يكون لدى الدولة والحكومة ذات البسالة والإصرار للتصدي لمخاطر الفقر من خلال جبهتنا الداخلية المناطة أمرها إليها.
وتكشف الدراسات تآكل الطبقة الوسطى في الأردن التي انخفضت من نحو 65% اوائل ثمانينات القرن الماضي الى دون 25% عام 2010، بالتوازي مع استمرار ارتفاع نسب الفقر والبطالة وانعدام فرص العمل، وضعف قدرة السلطة التنفيذية على التحكم بالأسعار، واللجوء الى رفع مستويات الضريبة كحل للتخفيف من عبء المديونية ومعالجة ملف إدارة الدين.
ويبلغ متوسط دخول العاملين 470 دينارا، فيما تحدد دائرة الاحصاءات العامة خط الفقر في الاردن ما دون 580 دينارا شهريا للأسرة، ما يعني أن هناك انتهاكاً لحق المواطن في مستوى معيشي لائق، نتيجة الضعف الشديد في الرواتب وتآكل المداخيل الشهرية للأفراد.
هذه المؤشرات الاحصائية تتناقض مع التزامات الاردن الدولية الذي صادق على العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية منذ سنوات طويلة والذي يتضمن في مادته الحادية عشرة «حق كل شخص في أن يعيش بمستوى كاف له ولأسرته، يوفر ما يفي بحاجتهم من الغذاء والكساء والمأوى، وبحقه في تحسين متواصل لظروفه المعيشية»، الأمر الذي يحتم على الجهات ذات العلاقة وضع علاجات جذرية سريعة، لتدارك مخاطر انتهاك هذا الحق الذي بدت عواقبه تطفو على المجتمعات والدول.
قال الامام علي بن ابي طالب كرم الله وجهه: لو كان الفقر رجلا لقتلته ، وقال أبو ذر الغفاري رضي الله عنهُ إذا ذهب الفقر إلى بلد قال لهُ الكفر :خذني معك فهل في حكمة السلف ما يدفع لإيلاء خطر الفقر حقه من الإهتمام والمعالجة؟  
الدستور