الدماء في قلب أوروبا: من أطلق للبربرية العنان؟!
لم يمهل تنظيم "داعش" بروكسل عاصمة اوروبا، طويلا بعدما اعتقلت أول من أمس، صلاح عبد السلام بعد مطاردة استمرت أكثر من أربعة أشهر للاشتباه في أنه لعب دورا لوجستيا محوريا في هجمات باريس يوم 13 تشرين الثاني (نوفمبر) وتبناها التنظيم المتطرف.
ضرب "داعش" قلب القارة وحصن حلف الناتو، دافعا بمزيد من الأسئلة، عمن أطلق للبربرية العنان؟! وما اذا كانت تبعات الهجوم الارهابي ستفضي الى تنازل أوروبا عن منظومة القيم التي ترسخت فيها طوال القرون الأخيرة، والتي دفعت المجتمعات الأوروبية ثمنها أنهارا من الدماء؟
فنبرة الشماتة تظهر بوضوح في تصريحات وتلميحات ساسة ووسائل إعلام، وتأكيدات على أن ما يحدث في أوروبا هو نتيجة لفتح أبوابها أمام قادة التطرف، والتعاطف مع المتطرفين والمتشددين.
آخرون يؤكدون أن عدم احترام الغرب للعادات والتقاليد والمثل الإسلامية للاجئين والمهاجرين تسبب في انكفاء هذه الأقليات على نفسها والذهاب إلى أبعد من ذلك!!
أمّا الرؤية العربية والعربية – الإسلامية، وربما رؤية الإعلام أيضا تُحمّل أوروبا المسؤولية الكاملة عن ما يجري وما سيجري، بل ويذهب اصحاب هذه الرؤى إلى أن أوروبا هي المذنبة في تفاقم الإرهاب فيها، وهي المتسببة في انتشاره أيضا في تلك الدول العربية والإسلامية، أي أن أوروبا هي السبب في كل شيء.
على أن مثل هذه الرؤى وترويجها يتوخى عدة أهداف، على رأسها، إعفاء الأنظمة والحكومات العربية والإسلامية عن مسؤوليتها في تنشئة الإرهاب وتوفير كل الظروف (الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتعليمية) المناسبة لظهوره وتفشيه وتصديره إلى دول أخرى.
كما يهدف ترويج هذه الرؤى الى إبعاد النظر عن مؤسسات وقوى مالية واقتصادية ساهمت في تمويل قوى الارهاب ورعايته وتصديره.
ويهدف كذلك الى تخفيف الضغط على الولايات المتحدة التي قامت بدور هائل في انتشار الإرهاب واستخدامه أداة لتصفية حساباتها السياسية والجيوسياسية، وذلك بالتحالف مع وكلاء.
وهناك أهداف أخرى كثيرة لطمس دور حكومات شرق أوسطية في تنشئة ورعاية وتمويل الإرهاب، ومع كل ذلك، تعلو أصوات تقول ان الديمقراطية الأوروبية والحريات المتاحة هناك هي السبب في الضربات الموجهة إليها، وكأن هذه الاصوات تدين أوروبا على تبنيها منظومة قيم مختلفة تماما عن النشأة في ظل الاستبداد.
تاريخيا، تشكلت منظومة القيم الأوروبية على مدى مئات السنين، ودفع الأوروبيون ثمنها غاليا، والآن يتم استغلال هذه المنظومة لضرب أوروبا ذاتها، بينما توجه الإدانات إلى الأوروبيين!!، وهو ما يعد منطقا أعوج يساهم بدرجات كثيرة وبطرق مختلفة في تبرير الإرهاب من جهة، وإبعاد الأنظار عن الأسباب الحقيقية لهذا الإرهاب من جهة أخرى.
وفي آن، لا يمكن تجاهل سياسات الأنظمة الأوروبية التي بدأت تتعارض مع منظومة القيم الأوروبية وتضحيات الأوروبيين طوال سنوات عديدة من أجل الوصول إلى تلك المنظومة.
فالأنظمة السياسية الأوروبية تعمل ضد منظومات قيم شعوبها باستخدام الإرهاب وتوظيفه تارة، والتعامل معه ومع الإرهابيين بمعايير مزدوجة تارة أخرى، بينما الإرهاب ذاته يضرب حياة الناس ومصالحهم.
أمّا الخطير في ضربات بروكسل امس، هو أن هذه المدينة هي مقر الاتحاد الأوروبي، ومقر حلف الناتو الذي تترأسه الولايات المتحدة، وبالتالي، فسلسلة العمليات التي وقعت في بلجيكا لا يمكن أن تمر مثل العمليات التي وقعت في فرنسا أو مصر أو تونس، إنها لا تقل خطورة عن هجمات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك من حيث المعنى والمغزى.
وجاءت هجمات أمس بينما تخوض باريس وبروكسل معركة قانونية حامية الوطيس بشأن تسليم عبد السلام لفرنسا ومكان محاكمته، وامتدت تلك المواجهة إلى وسائل الإعلام بالبلدين ما دفع أحد المعلقين بصحيفة "لوسوار" البلجيكية إلى السخرية من الموقف قائلا إنه بينما يتخاصم الجاران يتسلل المسلحون لضرب أبناء البلدين.
وتؤكد تفجيرات امس أن سؤال الأمن بات مسألة عالمية وأن التفجيرات أصبحت لغة عابرة للحدود وقادرة على الانتقال من قارة لأخرى، فقبل أيام قليلة كانت الجزائر مسرحا لهجوم على حقل غاز تبناه تنظيم داعش بعد سلسلة عمليات في دول أخرى بقارة أفريقيا كان أكثرها دموية في مدينة بنقردان جنوب تونس سقط فيها عشرات القتلى.
ومع تجدد دوي التفجيرات وتوسع دائرة الرعب والهواجس في قلب أوروبا، يتجدد طرح السؤال حول المطلوب من القارة التي ترتبط تاريخيا وثقافيا وجغرافيا ببلدان تشهد اضطرابات شديدة وحروبا ضارية (الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) .
وقبل نحو سنة تقريبا، كان خافيير سولانا وهو الممثل الأعلى السابق لشؤون السياسة الخارجية والأمن لدى الاتحاد الأوربي، واضحا في رؤيته للملف. فقد دعا أوروبا لإلقاء "نظرة فاحصة على نفسها" و"إدراك أن الجيلين الثاني والثالث من المهاجرين عُرضة لإغراءات المنظمات الإرهابية الآن، لأن المواطنة الأوروبية لم تترجم إلى اندماج اجتماعي واقتصادي حقيقي".
كما حث الدبلوماسي المخضرم أوروبا على الذهاب إلى ما هو "أبعد من الدفاع عن حرية التعبير، وتحسين التنسيق الشرطي لوضع الحلول الدائمة الكفيلة بعلاج التهميش الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه أتباع هذه الحركات، مع تجنب المواجهات الثقافية والاعتماد على القمع وحده".
وامس، سارع قادة الدول الثماني والعشرين في الاتحاد الاوروبي ورؤساء المؤسسات الاوروبية، الى اصدار بيان مشترك اعتبر ان تفجيرات بروكسل هي "هجوم على مجتمعنا الديموقراطي المنفتح".
وقال القادة بعد الهجمات التي اوقعت حوالي 35 قتيلا في مطار بروكسل الدولي ومحطة للمترو في حي المؤسسات الاوروبية ان "الاتحاد الاوروبي ينعي ضحايا تفجيرات اليوم الارهابية في بروكسل. كانت هجوما على مجتمعنا الديموقراطي المنفتح". واضاف البيان ان "الاتحاد الاوروبي ودوله الاعضاء تقف وقفة قوية تضامنا مع بلجيكا وهي مصممة على مواجهة هذا التهديد معا بكل الوسائل اللازمة".
واضاف ان "الهجوم الاخير ليس من شأنه سوى تقوية تصميمنا من اجل الدفاع عن القيم الاوروبية والتسامح (الاوروبي) في وجه هجمات اعداء التسامح. سنكون موحدين وحازمين في الحرب ضد الكراهية والتطرف العنيف والارهاب".
تنظيم "داعش" من جهته، وفي بيان نشر على حسابه الرسمي على موقع تيليجرامن اعلن مسؤوليته عن هجومين بالقنابل قتلا 34 شخصا على الأقل في بروكسل متوعدا "الدول الصليبية المتحالفة على دولة الإسلام بأيام سود ردا لعدوانهم على دولة الإسلام." - (وكالات)