"مواقع التواصل" تسحب البساط من التغطية الباهتة للانتفاضة
عمان- سحبت "مواقع التواصل الاجتماعي" البساط من تحت التغطية الإعلامية العربية "الباهتة" للانتفاضة الفلسطينية، الممتدة منذ شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، بعيداً عن سطوة المشهد الإقليمي العربي "المضطرب"، وفق مراقبين.
ووجد انشغال دول المنطقة بقضاياها الداخلية مساحته الوازنة في مبثوث المنابر الإعلامية التقليدية المختلفة، على حساب الاهتمام بالقضية الفلسطينية، من دون غياب قاعدة التوافق الجمعيّ لمناصرة الشعب الفلسطيني ضدّ العدوان الإسرائيلي"، بحسبهم.
بينما اختلف الخطاب الإعلامي العربي حول مسائل "مبدئيّة" تخصّ "التسمية"، بين "الانتفاضة" و"الهبّة" و"حراك الغضب"، مقابل الانقسام بين التأييد والمعارضة "لعمليات الطعن التي ينفذها الشبان الفلسطينيون ضدّ عدوان الاحتلال"، وسط محاولات التقليل من قدرتها على إحداث تأثير "ما" في معادلة الصراع العربي – الإسرائيلي.
ورغم محاولة وسائل الإعلام العربية لنقل صورة الأحداث الجارية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، غير أن "تغطيتها، عموماً، يغلب عليها جانب الرصد، من دون أن تصل إلى المستوى المطلوب الذي يتفق مع حراجة اللحظة الراهنة، رغم التفاوت من وسيلة لأخرى"، وفق قول رئيس شبكة قنوات "النهار" المصرية الإعلامي عمرو الكحكى.
وأضاف الكحكيّ، لـ"الغد" من القاهرة، إن "انشغال الدول العربية بقضاياها الداخلية بات يأخذ المساحة الأكبر من التغطية الإعلامية، مما أثر كثيراً على مسألة الاهتمام بتغطية الأحداث الجارية في الأراضي المحتلة، من دون أن يلغي ذلك، بطبيعة الحال، جانب التضامن والتعاطف العربي القائم
مع الشعب الفلسطيني".
وأوضح بأن "النظام الإقليمي العربي المضطرب حالياً قد ترك ندوبه في المنابر الإعلامية المختلفة، فأصبح هناك أجهزة تلفاز طوائف وأحزاب ودول، وليست شعوب، لصالح غلبة الاستقطاب وخدمة الأغراض الشخصية الضيّقة، بعيداً عن المصلحة الوطنية العليا".
ولفت إلى "تدخلات الأطراف الخارجية في دول المنطقة بهدف فرض الرؤية البعيدة عن تطلعات الثائرين من أجل الحياة الكريمة والعدالة والديمقراطية".
واعتبر أن ذلك "يعبّر، بشكل أو بآخر، عن حالة "الفوضى" الإعلامية الحاصلة اليوم، وسط غياب الأسانيد والضوابط المهنية المناسبة، وضعف نزعة الاعتبار لاحترام عقل المشاهد، فبلغ الوضع من السوء حدّ الإزعاج".
وأكد ضرورة "العودة إلى أصول وقواعد المهنة، التي تعصم عن "الانفلات" القائم، وتضمن رفع منسوب المسؤولية، من دون أن يعني ذلك القيام بوضع القيود أو قمع الحريات والتعبير عن الرأي، فهذا الأمر مرفوض كلياً".
ودعا إلى "ضبط الشطط الإعلامي الحاصل، والتعامل بمسؤولية مع عقل المواطن، ووضع مدونة سلوك وإرشادات مهنية تحريرية كنوع من التنظيم الذاتي، والتأكيد من دقة المضمون، وإعادة النظر في مناهج التعليم، وإيجاد الدورات التدريبية والتعليمية والتثقيفية".
ولفت إلى "التطور الكميّ والنوعيّ في وسائل الإعلام العربية، ما يسمح بتعدد الخيارات"، مبيناً "وجود صحف ووسائل إعلامية رصينة، ولكنها تشهد منافسة عنيفة وحرب بقاء، في ظل الثورة التكنولوجية والاتصالية الحالية، ما يجعلها مدعوة لتعزيز القيمة المضافة في المضمون والأداء المتميز".وشدّد على "حيوية العلاقة بين القضية الفلسطينية ووسائل الإعلام العربية، التي لعبت أدواراً مؤثرة في فضح السياسات الإجرامية التي يقوم بها الاحتلال، والكشف عن مخططاته الهادفة للقضاء على الإنسان والأراضي الفلسطينية"، بحسب
الكحكيّ. ويعد الإعلام أحد الأسلحة الوازنة للانتفاضة ولمقوماتها الأساسية، إذا أخذ بعداً عربياً وأممياً من أجل تحقيق الأهداف النهائية للشعب الفلسطيني، في التحرير وتقرير المصير وحق العودة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
إلا أن التغطية الإعلامية العربية للانتفاضة الفلسطينية يصفها الكاتب والمحلل السياسي، عبدالستار قاسم، "بالضعف"، في ظل "معتقد معظم الأنظمة العربية بأن النضال الفلسطيني ضدّ الاحتلال لن يجدي نفعاً، وأنّ الحقوق الوطنية الثابتة لا تأتي إلا بالتفاوض والتفاهم مع الكيان الإسرائيلي عبر الولايات المتحدة الأميركية".
ويقلل قاسم، في تصريح صدر مؤخراً، من "إمكانية تأثير المنابر الإعلامية العربية في دعم ومؤازرة الانتفاضة الفلسطينية".
بينما تطرح بعض وسائل الإعلام، عبر منابرها المختلفة، التساؤلات حول أفق مسار "الانتفاضة" وجدواها عما إذا كانت خطوة نحو إنهاء الاحتلال وتقرير المصير أم تحسين ظروف الاحتلال، أو أداة ضاغطة لتعديل البيئة التفاوضية في ظل المحاولات الأميركية الإسرائيلية الراهنة لتقويضها.
الإزاحة نحو
"التواصل الاجتماعي"
وأمام واقع الإعلام العربي التقليدي؛ فقد وظف الفلسطينيون وسائط الإعلام الجديد، الممثل في وسائل التواصل الاجتماعي، مثل "الفيسبوك" و"توتير" وغيرهما، بالإضافة إلى التقنية الاتصالية الحديثة، مثل الهاتف الجوال، في تسجيل ونقل الحيثيات الميدانية ونماذج عدوان الاحتلال ضدّ الشعب الفلسطيني، بحيث باتت فعاليات الانتفاضة تبثّ مباشرة من فلسطين المحتلة إلى ملايين المتلقين داخلها وخارجها، صوب فضاءات القارات الخمس.
ودخلت "السوشيال ميديا"، مؤخراً، بقوة في ميدان مقاومة الاحتلال، من خلال حملات شبابية داعمة للشعب الفلسطيني، وأخرى محلية فلسطينية يأخذ بعضها طابع العنفوان والتحدي المقاوم، وأخرى تنضح بمحفزات التضامن والتكافل المجتمعي، في ظل محاولات إسرائيلية مضادّة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتغيير الحقائق لصالحها وطمسّ جرائمها ضد الفلسطينيين.
وبخلاف عهدي الانتفاضتين السابقتين؛ فإن الانتفاضة الحالية وجدت في الثورة التقنية غير المسبوقة في قطاعي الاتصالات والإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي، مصدراً رئيسياً لبث الأخبار والصور ونقلها لملايين المتلقيّن في وقت قياسيّ.
ووفق "المركز الفلسطيني للإعلام" فقد ساعد "تعدد وسائل الاتصال وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي وإتاحتها للأغلبية الساحقة من الناس، على قيام الفلسطينيين بتوثيق جرائم الاحتلال ونقلها إلى العالم، بعدما كانت تجري سابقاً في الظلام وبعيداً عن أعين الرأي العام العالمي، مما يشكل بالنسبة إليهم تعويضاً معتبراً عن الوسائل الإعلامية التقليدية".
واعتبر أن "وسائط الإعلام الحديثة شكلت منبراً مهماً للتواصل الشعبي العربي مع القضية الفلسطينية، بعيداً عن التجاذبات الحاصلة ضمن المشهد الإقليمي العربي".
وكانت عدد من الدول العربية قد شهدت مظاهرات شعبيّة عارمة ووقفات احتجاجية لمساندة الشعب الفلسطيني في انتفاضته ضدّ العدوان
الإسرائيلي.