ترامب واحتمالية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وفن عقد الصفقات

ابنوا جداراً ودعوا المكسيكيين يدفعون ثمنه؛ كان هذا أكثر الوعود شهرة لمرشح الرئاسة الأميركية دونالد ترامب. لماذا قد توافق المكسيك على مثل هذا الترتيب؟ إن كل ما يتطلبه الأمر؛ كما عنى ترامب؛ هو التوجه إلى المفاوضات بيد حازمة. ولكن؛ لماذا لم يحدث ذلك حتى الآن؟ أحد الأسباب الرئيسية، وفقاً لقوله، هو أن "قادتنا حمقى، وسياسيينا حمقى أيضاً"، ما جعل بلدنا تسقط في ورطة كبيرة. لم نعد نفوز كما كان الأمر في السابق ولم نعد نتغلب على الصين في التجارة ولسنا نستطيع التغلب على اليابان، التي تجوب ملايين السيارات التي تصنعها شوارع دولتنا، في التجارة أيضاً وفقدنا القدرة على التفوق على المكسيك، عند الحدود أو في التجارة هي الأخرى. لنترك جانباً بعض الوقت؛ نقطة أن العجز التجاري لا يعني أن الدولة "تخسر" في ضوء أن مزيداً من التداول التجاري يعني مزيداً من النشاط الاقتصادي، فضلاً عن سلع أرخص ثمناً للمستهلكين وهلم جرا. إن العالم الذي تحاول كل دولة فيه إنتاج جميع السلع داخل أراضيها، عالمٌ أقل ازدهاراً. والافتراض هنا يقول؛ لو كانت أميركا تتحدث بلهجةٍ صارمة أكثر، ربما لكانت حصلت على ما تريد. ولكن ترامب قد يندهش إذا ما علم أن الصينيين يتمتعون بدرجة جيدة من الكبرياء الوطني هم أيضاً، وبالتالي سينتقمون إن حاول أحد ما إهانتهم؛ سيطلب الشعب عدم السكوت والانصياع. (قد لا تكون الصين دولةً ديمقراطية، إلا أن زعماءها يأخذون الرأي العام دائماً بعين الاعتبار). ويولع القادة القوميون بهذه الأمور أيضاً؛ حيث يسوق فلاديمير بوتين نفسه بين أفراد شعبه كزعيم قوي، وقد يرى البعض نفوذ سياسته الخارجية دليلاً واضحاً على نجاحه. ومع ذلك، قادت تصرفات الرئيس الروسي، من الناحية الاقتصادية، إلى اتساع العقوبات وانكماش الاقتصاد، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات البطالة وكانت لهجمات فنزويلا على المستثمرين الأجانب، والسخرية من أميركا، نتائج مماثلة. وعندما يتعلق الأمر باستفتاء الاتحاد الأوروبي في وضع بريطانيا، يؤكد الدعاة إلى خروج بريطانيا من الاتحاد أن الاتحاد الأوروبي والعالم سيكونان شديدي الحرص على إبرام اتفاقية تجارة حرة مع بريطانيا ليس إلا، بينما ستثير أي حجة تعاكس ذلك حالة من الهلع. وعلاوة على ذلك، يعد هذا الأمر دليلاً على كم هم سيئون وجشعون، ما يعد سبباً أكبر لمغادرة الاتحاد الأوروبي. ورغم أن هناك فعلاً دولا أخرى في الاتحاد الأوروبي تهتم بالتجارة مع بريطانيا، إلا أن لديها مصالح أخرى أيضاً في الحفاظ على قواعد تثبيط دولٍ أخرى عن مغادرة الاتحاد الأوروبي. إنهم بحاجة إلى مناشدة ناخبيهم، الذين لا يريد الكثير منهم أن تحصل بريطانيا على صفقات رائدة وناجحة. وكان هذا السبب بالتحديد ما وقف وراء فشل، ديفيد كاميرون، في تغيير المعاهدة الأساسية في محادثاته مع الاتحاد الأوروبي (لا يستطيع أي زعيم بريطاني إقناع الدول الأخرى بالعمل ضد مصالحها الخاصة). وتفسر العوامل نفسها لماذا يستغرق أمر تمرير صفقة تجارية الكثير من الوقت، سواء بين أميركا وأوروبا أو مع آسيا. ومن أجل الحصول على تجارة حرة للسلع والخدمات، يتوجب على بريطانيا الموافقة على نقاط عدة -مثل حرية حركة العمال، والمساهمة في ميزانية الاتحاد الأوروبي- الأمور التي لا تلقى الترحيب بين مناصري خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ويعد التظاهر بخلاف ذلك صفيرا في الظلام؛ حيث يتوجب على أي صفقة تتم بين دولتين أن تنطوي على حل وسط، ما يعني أن لا دولة تستطيع تحصيل جميع ما تريده. ومن السهل على السياسيين أن يتظاهروا بأن المحادثات الحازمة، التي تغلب عليها نبرة التهديد، يمكن أن تغير هذه الصورة. ولكن العالم الذي تُدفع فيه الدول على يد ناخبيها إلى محادثات حازمة (تسودها التهديدات كما أشرنا) هو عالمٌ يضم مزيداً من النزاعات، وتجارةً أقل وعدم يقين أكبر. إنه العالم الذي يكون فيه الجميع أسوأ حالاً.