الذكرى الستون لتعريب قيادة الجيش
جفرا نيوز -
تعريب قيادة الجيش العربي قرار سيادي أردني نبع من قيادة حكيمة وضعت الأردن وقواته المسلحة في ذروة التوهج والصدارة القرار صيحة هاشمية أعادت للأمة ألقها ومجدها وكرامتها وأنارت للجيش العربي دروب المستقبل الواعد بالخير والعطاء الموصول عمان 29 شباط - إعداد مديرية التوجيه المعنوي- الأول من آذار يوم مجيد من أيام الوطن العابقة بالمجد والسؤدد، فيه تحملنا ذاكرة الوطن وأيامه الخالدة إلى عقود ستة مضت، حفلت بمحطات فخار عنوانها تطور الجيش العربي، حيث تتزامن هذه الذكرى لهذا العام مع ذكرى ترتبط ارتباطا عضويا بهذا الجيش، وهي الذكرى المئوية الأولى لانطلاقة ثورة العرب الكبرى، وانبعاث مشروعها النهضَوي على يد المنقذ الأعظم الشريف الحسين بن علي طيب الله ثراه.
كان الأول من آذار لعام 1956، مرحلة تاريخية هامة وانطلاقة واضحة المعالم في تاريخ هذا الجيش، ففي هذا اليوم اتّخذ جلالة الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه، قراره القومي والتاريخي بتعريب قيادة الجيش العربي، حيث دوى صوت الحسين بنبراته القوية التي تعودنا عليها، ليعيد للوطن مجدا فوق ما له من مجد، وليضيف صفحة ناصعة للتاريخ الأردني العابق بالكرامة والحرية.
لقد مثلت خطوة تعريب قيادة الجيش العربي الأردني، محطة مفصلية في حياة الأردن والقوات المسلحة، حينما أقدم جلالة المغفور له الملك الحسين طيب الله ثراه، على اتخاذ هذا القرار الوطني والقومي الجريء، وذلك بإعفاء الجنرال كلوب من منصبه، وتعيين ضابط أردني قائداً للجيش، ليكون جيشاً عربياً هاشمياً واسما على مسمى.
لقد نبع هذا القرار وتلك الخطوة الجريئة من قيادة وعت حجم المسؤولية وكانت على قدر حملها، حيث جاء قرار الحسين، وجلالته في ريعان شبابه، حيث لم تمض سوى فترة قصيرة على تسلم جلالته سلطاته الدستورية، فجاء القرار تجسيداً حياً لكل التطلعات الكبيرة التي كانت تجول في قلب وعقل الملك الشاب، وتمنحه القوة والعزم والتصميم على استكمال تحرير الإرادة الوطنية بالانعتاق النهائي من هيمنة الأجنبي ونفوذه، الأمر الذي جعل من هذا القرار بداية لسلسلة طويلة من التطورات الوطنية الكبيرة التي تشكل في مجملها الملامح الأساسية لمسيرة الأردن القومية.
لم يكن اتخاذ قرار تعريب قيادة الجيش بالأمر السهل أو المألوف، فهو قرار يحتاج إلى قائد فذ بطل لا يضع نصب عينيه إلا حاضر وطنه ومستقبل شعبه وأمته، المستند أساسا إلى إرث تاريخي متجذر في وجدان القائد، فشكل هذا القرار محطة بارزة في نهج ومسيرة تحديث الدولة التي سارت بخطى واسعة نحو إتمام معاني الاستقلال والقرار السيادي الأردني، وإعطاء الجيش العربي حرية اتخاذ قراره وتأهيل كوادره وتسليحه، والتفكير الواقعي بأولوياته وما هو مطلوب منه في المراحل اللاحقة.
طموحات ملك شاب: لقد جاء قرار تعريب قيادة الجيش منسجماً وملبياً لطموحات الملك الشاب، الذي كان يدور في خلده منذ كان طالباً في كلية ساند هيرست، أن الجيش العربي تحت قيادة غير عربية سيبقى دون طموحات قيادته العليا، التي تريده أن يؤدي دوره في حماية الوطن وتأهيل ضباطه وتحقيق أهدافه التي وجد من أجلها، وصون ممتلكاته ومنجزات استقلاله، ومنع المعتدين أياً كانوا من النيل من سيادته على ترابه الوطني.
ويقول جلالة المغفور له عن تلك الخطوة في كتاب مهنتي كملك "لقد كنت مصمماً على إنشاء جيش قوي متوازن يدعمه غطاء جوي هام، وقد كان تحقيق ذلك مستحيلا ما دام كلوب بيننا، فكان علي إذن أن أنفصل عنه".
وصلت علاقات جلالة المغفور له الملك الحسين طيب الله ثراه في مطلع عام 1956 بكلوب إلى نقطة اللاعودة، فكان الحديث عن استبداله هاجساً متكرراً في فكر جلالته، حيث اتُّخذ القرار دون علم أي من المقربين إليه، وقد ذكر أسباب قيامه باتخاذ هذا القرار وإصراره على تنفيذه فوراً في كتاب مهنتي كملك حيث قال "يجهل الرأي العام عموماً أن عزل كلوب كان قضية أردنية تماماً، لقد كان السبب الرئيسي في عزله يقوم على عدم التفاهم بيننا، وعلى خلافنا حول مسألتين جوهريتين هما: دور الضباط العرب في جيشنا، واستراتيجيتنا الدفاعية، فأحد واجباتي كملك هو تحقيق الأمن لشعبي وبلادي، ولو لم أقم باستبداله لما كنت قد مارست أعباء مسؤولياتي".
ويضيف طيب الله ثراه قائلاً، "لقد طلبت مراراً من الإنجليز أن يدربوا مزيداً من الضباط الأردنيين القادرين على الارتقاء إلى الرتب العليا، وكان البريطانيون يتجاهلون مطالبي، كان أعلى منصب يستطيع أن يطمح فيه الأردنيون هو منصب قائد سرية ولا شيء أكثر من ذلك، بعد أشهر من المفاوضات اتسمت بالصبر والأناة أستجيب الى طلبي، وذلك بقبول إنكلترا أن تفرض علينا خطة للتعريب يتم بمقتضاها منح الضباط الأردنيين في المستقبل مزيداً من الامتيازات، لقد كانت كلمة المستقبل تعني للإنجليز، وقد أبلغوني بذلك رسمياً، بأن سلاح الهندسة الملكي في الجيش العربي الأردني سوف يتولى قيادته ضابط عربي في عام 1985، وتقول حكومة بريطانيا إنها سوف تتحدث عن التعريب بعد ثلاثين سنة".
قائد فذ وحكيم رأى وضع الأمور على مسارها الصحيح، فنفذ في الأول من آذار عام 1956 قراره القومي والتاريخي بتعريب قيادة الجيش العربي، وتحريره من قيادته الأجنبية، وأيقن أنه في الوضع السياسي الجديد الذي أوجده قيام إسرائيل كان لا بد من إعطاء الجيش إحساساً بالمسؤولية والكبرياء، ووفقاً لذلك فقد أعفى الفريق كلوب من منصبه، وعيَّن ضباطا أردنيين في جميع المراكز القيادية.