السعودية وايران...الأردن حيث يجب أن يكون

جفرا نيوز - كتب: عمر محارمة
الجواب على سؤال مفاده «أين يقف الأردن من الصراع السعودي الإيراني»، من أسهل الأسئلة التي قد تطرحها في الشارع الأردني، فربما لن تجد من يختلف على أننا مع الشقيقة السعودية، لإعتبارات سياسية وإقتصادية وإجتماعية وقبل ذلك لإعتبارات قومية وثقافية، ولأن قناعة الشارع ان الصراع عربي-فارسي وليس سعوديا-إيرانيا.
وربما يكون الأردن أول دولة عربية تنبهت وبشكل مبكر الى خطر المشروع الإيراني في المنطقة، فكان إدراك هذا الخطر المحرك الأساسي لموقف الأردن القوي أبان حرب الخليج الأولى التي إستمرت ما بين العامين 1980 و 1988، والتي شارك فيها الأردن بكل ثقله السياسي والإقتصادي لدعم الجبهة العراقية التي صدت أولى موجات الثورة الخمينية التي كان مشروعها أكبر كثيرا من حدود إيران.
تلك الموجة اعادت المشروع الخميني الى حاضنته ليستكين فيها على مدى إثنين وعشرين عاما متحينا الفرصة المناسبة لإعادة الإنقضاض على المنطقة، حيث عمل خلال تلك الأعوام بنجاح على تقوية صلاته «الطائفية»مع الأقليات الشيعية في مناطق تواجدهم، تمهيدا لما قد يأتي.
في العام 2003 وجد النظام الإيراني نفسه أمام فرصة تاريخية بعد أن أسقطت الولايات المتحدة الأمريكية نظام الرئيس الراحل صدام حسين، لتجد الثورة الخمينية مركزا لإنطلاقها بإتجاه غربها العربي.
وكان توسع النفوذ الإيراني في العراق واحدة من أهم محطات مشروعه الذي لا يرى حدا لطموحه، خصوصا بعد أن كان قد أسس قاعدة قوية له في لبنان تمثلت بـ «حزب الله» وإستمر في إستثمار علاقته بالنظام السوري الذي كان الوحيد عربيا الذي سانده ضد العراق في حرب السنوات الثمان.
في ذلك الوقت أطلق جلالة الملك عبد الله الثاني تحذيره من وصول حكومة موالية لإيران إلى السلطة في بغداد، تعمل بالتعاون مع طهران ودمشق لإنشاء هلال يخضع للنفوذ الشيعي يمتد إلى لبنان ويخل بالتوازن القائم في المنطقة.
لكن المشروع الإيراني حاول تجاوز حدود هذا التحذير مستغلا ما سمي «بالربيع العربي» لمد نفوذه نحو البحرين وصولا الى «الحديقة الخلفية» لدول الخليج العربي المتمثلة باليمن، والغريب أن الساسة الإيرانيين الذين حاولوا تسويق أحداث اليمن والبحرين على أنها ثورة شعبية كانوا يزجون بقواتهم لقتل الثوار في سوريا في مشهد يفضح طائفية مشروعهم.
الدول العربية و خصوصا «تيار الإعتدال» الذي ضم الأردن و مصر والمغرب الى جانب دول مجلس التعاون الخليجي كانت ترقب الزحف الأيراني نحو المنطقة العربية بعين متوجسة وأخرى ترفض التدخل في شؤون الدول الأخرى الداخلية، لذلك ترك الخيار للعراقيين في تحديد الصف الذي يقفون فيه، فيما كانت سوريا قد إتخذت موقفها منذ عقود، وأقتصر خط مواجهة المشروع الأيراني عربيا على أسلوب المدافع الذي يتحرك متى ما تجاوز الهجوم الأيراني خطوطه.
ترك أهل السنة في العراق يواجهون مشروعا سياسيا يهمشهم ويستبد بهم تحت عنوان «إحترام سيادة العراق» فيما كانت إيران تمد نفوذها هناك وتسيطر على كل شيء تقريبا، حتى وإن أدى ذلك لمواجهة مناصريها ومؤيديها كما حدث مع الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، واكتفى محور الإعتدال العربي بتقديم دعم سياسي لحلفائه في لبنان فيما كان حليف أيران «حزب الله» يبني دولة داخل الدولة هناك حتى أضحى الحزب أقوى من الدولة ذاتها.
وفي اليمن كان الحوثيون يفتحون خطوط إمدادهم من طهران منتظرين اللحظة المناسبة للإنقضاض على السلطة مدعومين بمليشيات جهزتها ودربتها إيران ومدتها بمحتلف أنواع الأسلحة لتطعن الخليج العربي في ظهره عندما يطلب منها ذلك، متحالفين مع النظام اليمني السابق الذي أراد اليمن لنفسه أو يحرقها فكان التحالف «الحوثي الإيراني» مع علي عبدالله صالح الذي كانت دول الخليج نفسها من رتبت له خروجا مشرفا من السلطة.
كان التحرك الخليجي لدعم نظام الحكم في البحرين وهو يواجه مؤامرة حيكت خيوطها في طهران أول تحرك خليجي عربي فاعل لمواجهة المشروع الإيراني الذي كان لا بد من مواجهته لتحجيم مشروع طائفي ظن أن فرصته التاريخية قد حانت، ثم كانت «عاصفة الحزم» التي شكلت عودة لروح العمل العربي المشترك، والتي كانت الجراحة التي لا بد منها لحماية اليمن من التقسيم والفوضى وتشكيل خاصرة موجعة للعرب أجمع على وجه التعميم وللخليج العربي بشكل أخص.
وفي سوريا كانت إيران تضع كل ثقلها لمواجهة ثورة شعبية طالبت في بدايتها بإصلاحات سياسية وإجتماعية وإقتصادية، قبل أن تتطور الأمور هناك على نحو يصعب على أعتى المحللين فهمه وتفسيره، إلا أن جرائم الحرس الثوري الإيراني وميليشيا حزب الله في سوريا ستكون شاهدا على مدى التاريخ بأن أيران لم تتوان عن إستخدام أية وسيلة لتحقيق غاياتها.
المحور العربي الذي يواجه المشروع الإيراني يقاتل اليوم على أكثر من جبهة ميدانية وسياسية، فهو يخوض معارك فعلية في اليمن لمنع تغول المليشيات وسيطرتها على السلطة ولإعادة الشرعية التي أنتجتها ثورة شعبية حقيقية وسلمية، ويدعم هذا المحور بكل ثقله السياسي والأمني النظام البحريني الذي ما توقفت المخططات الإرهابية عن إستهدافه والمحاولات السياسية الإيرانية لتقويضه، كما يحارب هذا المحور عدوا لا يقل شرسة عن أي عدو آخر واجهه العرب تاريخيا والمتمثل بتنامي خطر الإرهاب وتعاظم عصاباته وعلى رأسها تنظيم داعش «خوارج هذا الزمان».
الأردن بقي بإستمرار منحازا لعمقه العربي فقدم الدعم والمساندة السياسية واللوجستية اللازمة لوقف إمتداد مشروع طهران نحو العمق العربي وكان خطه الدبلوماسي معتدلا ويحاول بإستمرار إعادة التوازن الى المنطقة على قواعد الإحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون الآخرين ومراعاة المصالح المشتركة، لذلك كان الأردن من أوائل الداعمين لمملكة البحرين واوائل المشاركين في التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن، وكان من أكثر من تأذوا من الأزمة السورية لكنه رغم ذلك كان الأبعد عن التدخل فيها وبقي مناديا بإستمرار بضرورة إيجاد حل سياسي للأزمة السورية التي دخلت عامها السادس.
الأردن كان حيث يجب أن يكون وتصرف كما يتوجب عليه حفظا لأمنه ومصالحه أولا وإلتزاما بمسؤولياته وواجباته تجاه أشقائه ثانيا، لذلك لا يحسب الدعم السياسي والدبلوماسي الأردني لمواقف المملكة العربية السعودية الا في إطار الالتزام والواجب أمام الدولة العربية التي تقود ببطولة وصمود مشاريع النفوذ غير العربية في بلاد العُرب.

الدستور