زعماء في ذاكرة المجد وفي وجدان الشعوب

جفرا نيوز-خاص
لا شك ان الزعماء الكبار الذين تفانوا في العطاء وقدموا التضحيات في سبيل الاوطان والدين والامة سيبقون في وجدان الشعوب نبضا وعشقا ابديا خالدا في الصفحات المشرقة في التاريخ ولذلك نتوقف باعتزاز عند السيرة العطرة لابرز ثلاثة قادة في التاريخ العربي المعاصر هم الملك الحسين بن طلال ملك المملكة الاردنية الهاشمية والرئيس العراقي صدام حسين والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات.
وبالطبع فان البداية هي الوفاء للملك الإنسان الراحل الحسين طيب الله ثراه باني الأردن الحديث ليس (موسماً) بل هي مشاعر صادقة راسخة بوجدان كل من عرف الحسين الملك الإنسان وبمناسبة ذكرى ميلاد الملك الراحل العظيم الـ (80) وحتى لا يقال غاب أهل (الوفاء) وجدت لزاما على نفسي أن اكتب بعض الذكريات مع الراحل العظيم والحقيقة أن يوم 14/ 11/ 1935 لم يكن يوماً عادياً عند الأردنيين بل كان ولا يزال وسيبقى يوم الفرح والإكبار والعرفان لأن الحسين أنجز للأردن وللشعب الأردني العديد من المنجزات التي تشبه المعجزات حتى أصبح الأردن (الصغير) هو الأردن الكبير بنظر العالم أجمع وقد كنت والزملاء الأفاضل (بدون ألقاب) زيد بن شاكر وزيد الرفاعي وحمدي الطباع وعبد الرحيم ملحس ومروان القاسم الخ..... زملاء الحسين في مدرستي الـ (CMS) والمطران للبنين في جبل عمان من عام 1941 وحتى نهاية عام 1949 عندما التحق بكلية فيكتوريا بالإسكندرية ثم بكلية هارو وكلية ساندهيرست في بريطانيا.
وفي عام 1948 التحق الحسين الطالب بالكلية العلمية الإسلامية لمدة أربعة شهور ثم عاد لمدرسة المطران 1949.ومنها التحق بكلية فكتوريا بالاسكندرية وسأكتب بإيجاز عن بعض الذكريات ليطلع عليها الجيل الصاعد الذي لم يعش تلك الفترة:
1. لقب الأمير:- أرغب أن أؤكد للحقيقة والتاريخ بأن الحسين الطالب لم يلفظ لقب الأمير طيلة تواجده معنا بالدراسة في المدرستين وحتى التحاقه بكلية فيكتوريا بالإسكندرية وأنه كان يحضر من البيت للمدرسة سيراً على الأقدام ويعود للبيت من المدرسة ماشياً وبدون حراسة.
2. الوطنية المبكرة:- أذكر أن الحسين الطالب كان يكتب دائماً على اللوح الأسود كلمة يسقط الاستعمار باستمرار بخطه الجميل والكبير والواضح للعيان وأنه كان وطنياً منذ الصغر وعندما تسلم سلطاته الدستورية ملكاً على الأردن عام 1953 كانت تترسخ بنفسه المشاعر الوطنية والقومية التحررية وفي الأول من شهر آذار عام 1956 قام الحسين الشاب بطرد الاستعمار وعزل الجنرال القوي كلوب وألغى المعاهدة البريطانية وعرب قيادة الجيش ليكون الجيش العربي لكل العرب وسياج الأردن المنيع والمدافع القوي عن أمته وسيادته واستقلاله.
3.بطل الحرب.. وبطل السلام:- بعد معركة الكرامة الخالدة التي قادها وأشرف عليها القائد البطل الشجاع الحسين والتي انتصر بها الجيش العربي حيث حطم جلالته الأسطورة جيش إسرائيل الذي لا يهزم و أصبح الحسين هو بطل الحرب وكذلك أصبح الحسين بطل السلام عندما حقق (السلام) المنشود حيث حررت وأعيدت لنا (جميع) أراضينا ومياهنا المغتصبة ورسمت لأول مرة حدودنا لتكتمل سيادة الأردن وأمنه واستقراره وسيادته.
4. مدينة الحسين للشباب:- عندما تم حفل زفاف الملك الحسين على سمو الأميرة منى الحسين خصصت الحكومة مبلغاً ماليا للاحتفال.. الا أن الملك الباني الإنسان قد طلب من رئيس وزرائه أن يخصص كامل المبلغ غير (منقوص) لإنشاء مدينة الحسين للشباب وهكذا تحقق حلم الشباب الأردن. فالذكريات والمواقف كثيرة لا تتحملها مقالة.
جلالة الملك الحسين بن طلال بطل المواقف وباني نهضة الأردن الحديث ورافع راية مجده وعزه العظيم. ويستمد الأردنيون من هذه الذكرى العزيمة المتوقدة وقوة الإرادة والمضي قدماً نحو معارج الرقي يحدوهم في ذلك الالتزام القومي النابع من فكر القيادة الهاشمية الحكيمة التي جعلت من الأردن الوطن النموذج. إنها ذكرى أمة في قائد حمل رسالة أجداده الغر الميامين من بني هاشم فما انحنى ولا ضعف وبقي الطود الشامخ الذي تتكسر على صلابته التحديات ويرد عن وطنه العاديات وكان أمل الأمة الذي تعقد عليه رجاءها. ونقف اليوم إجلالاً لقائد عظيم وهب حياته وفكره لوطنه وأمته. إذ بنى الأردن فأعلى البناء على مبادئ التضحية والكبرياء المستمدة من الثورة العربية الكبرى التي أرادت تحرير العرب وبناء استقلالهم انطلاقاً من الوحدة والحرية والحياة الفضلى. فقد اجتاز بالأردن الكثير من التحديات التي كانت تعصف بنظامه وحضارته وخرج منها بعزيمة قادرة على مواصلة التقدم والازدهار ترفده إرادة النصر والتصدي للخطوب.
وعُرف الحسين بمواقفه القومية الثابتة على المستويين العربي والدولي لتوحيد كلمة الأمة والدفاع عن حقوقها ومقدساتها والحفاظ على كرامتها. وأعطى الأمة من المعرفة والحكمة والحنكة والبصيرة الثاقبة ما يحتاجه 'الرجال الرجال' الذين نذروا أنفسهم للوطن وكبريائه، وغرس في نفوس أبناء وطنه العزة والكرامة، فجاء قرار جلالته بتعريب الجيش عام 1956 نقطة تحول في تاريخ الأردن مما عزز الثقة بمستقبل الأمة والوطن والأجيال القادمة. وقد عُني الحسين بالقضية الفلسطينية فجعلها قضيته الأولى ونادى باستقلالية القرار الفلسطيني واحترام إرادة هذا الشعب. وناصر قضايا الأمة بما أوتي من قوة لجمع أنساقها وتوحيد كلمتها وحماية منجزاتها. وبذل المساعي العظيمة في حرب الخليج لحل القضية داخل الجامعة العربية. وجاءت دعوة جلالته في هذا السياق تجسد نداء عربياً هاشمياً وقفاُ لمأساة العراق وإنقاذا لشعبه مما يراد به. وهذا يكشف حكمته وبصيرته الثاقبة لتفادي الكارثة التي تعرضت لها هذه الأمة. وناضل الحسين نضالا شديداً ليحقق المنجزات العظيمة لشعبه وللأجيال القادمة؛ إذ يقول:" إنني أبذل كل ما في وسعي لكي تجد الأجيال القادمة حياة أفضل من ظروفنا".
وصفوة القول أن مواقف الحسين ستظل منارات تهدي الأمة إلى الغد المشرق وتطرد عتمة الليل بفكر يحمل عبء النهوض القومي ويلتزم بمبادئ الرسالة التي يحملها فرسان بني هاشم بكل معاني العز دفاعاً عن شرف الأمة ومستقبل أجيالها. ويشكل الخطاب الهاشمي منهجاً ريادياً تستند إليه الأمة بما يناسب أفق التطلع لمواجهة التحديات. فقد جاء الخطاب الوطني التاريخي للحسين أمام المؤتمر العام في (12/10/1991) ليشكل ثوابت راسخة كشفاً عن عظيم المسؤولية التي يتحملها أبناء الوطن في الظروف المصيرية؛ ونصّ ذلك أنّ:" الجواب بمنتهى البساطة والصدق هو ما يفرضه الواجب على القائد في هذه الظروف المصيرية التي يعيشها الوطن وأهله، والتي تفرض علينا المصارحة والمكاشفة والتدارس كي نعي الحقائق والأبعاد القائمة ونستشرف النتائج المحتملة فنتفق. ثم ننصهر من بعد في مسيرة واحدة هادفة جادة، حيث إنَّ ما في الميزان هو مصير هذا الشعب وهذا البلد ومن ورائهما أمن ومستقبل هذه الأمة".
من المَلاحظ التي تُسجل بحروف من نور لهذا الخطاب الذي قاد الوطن بمنهجية جعلته الأبهى والأجمل في انطلاقه من لغة الحوار والمصارحة منهجاً في الحكم مما رسخ دولة المؤسسات القادرة على تخطي ما يعترض الأمة من تحديات. ونتذكر باعتزاز أن هذا القائد استطاع أنْ يستشرف مستقبل هذه الأمة ويضع الأردن على عتبات فجر جديد بتسليمه الرسالة لجلالة الملك عبد الله الثاني الذي يحمل ميراثاً عظيماً متوهجاً بالثوابت التي أرستها القيادة الهاشمية لتكون الأمة في أعز مواقفها وأبهى صورها.
ويواصل مسيرة الخير والعطاء جلالة الملك عبد الله الثاني وفاءً للأهداف العليا التي ستظل نجوماً تضيء لنا انطلاقة الأمة وبزوغ فجرها الجديد وغدها المشرق. ويتصدى جلالة الملك عبد الله الثاني للإصلاح السياسي والنهوض بالاقتصاد وتعزيز قدرة المواطن على مواجهة أعباء الحياة. ويعتز برسالة الإسلام ويتصدى لمحاولات تشويهها بغية تقديم الصورة المشرقة المؤسسة على قيم التعارف بين الحضارات. ويستشرف مفردات المشهد الأردني وفق نسق فكري يرسم القاسم المشترك للاتجاهات السياسية على اختلاف مشاربها. ويؤطر جلالة الملك عبد الله الثاني لإصلاح شامل لطرق التنمية السياسية وتشكيل الحكومات والثقافة والإعلام لصياغة الواقع الأردني مواجهةً للتغيرات العالمية. ويؤسس جلالة الملك عبد الله الثاني للعمل العربي المشترك تشكيلاً لوحدة كبرى تغير مجرى التاريخ وتؤلف نموذجاً أردنياً قادراً على مواجهة عواصف العولمة. ويكتسب جلالته إعجاب قادة العالم وتقديرهم العظيم ويعود ذلك إلى أن الخطاب الأردني تنتظمه سمات راسخة عززت مكانته العالمية.
*الرئيس ياسر عرفات
رغم مرور سنوات عديدة على جريمة اغتيال الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وبرغم كل ما صدر من تقارير واستنتاجات وتحليلات طبية وإستخباراتية فلسطينية وعربية ودولية رسمية وعامة إلا أن أسباب تلك الجريمة والأشخاص الذين وقفوا وراءها ما زالا حتى اللحظة الراهنة "لغزاً محيراً"، في ظل اقتناع الفلسطينيين مسؤولين ومواطنين عاديين بأنه قضى مسموماً وأن "إسرائيل" هي من وقفت وراء تسميمه بإيعاز وتشجيع ومباركة من حكومة الولايات المتحدة أو تواطؤ منها، بالنظر إلى التهديدات العديدة بالقتل التي وجهت إليه من قبل رئيس الحكومة "الإسرائيلية" الأسبق الإرهابي المقبور أرئيل شارون وبعض معاونيه، إلى جانب الحصار الخانق الذي فرض على مقره في رام الله من قبل تل أبيب وواشنطن معاً.
أعود وأؤكد مجدداً أنه يوم فشلت سياسة "العصا والجزرة" الأميركية في ثني الراحل الكبير عن مواقفه الوطنية الثابتة من القضية الفلسطينية وقضية الصراع الفلسطيني – "الإسرائيلي" عندما كان يترأس الوفد الفلسطيني في مفاوضات (كامب دافيد) عام 2000، كان متوقعاً أن تتخذ إدارة الرئيس الأميركي الديمقراطي بيل كلينتون في حينه موقفاً عدائياً منه ومن القضية الفلسطينية على حد سواء، وكان متوقعاً أن ينتقل ذلك الموقف من كلينتون إلى خليفته جورج بوش بشكل تلقائي.
وبعد أن استأثرت الولايات المتحدة بالقطبية العالمية إثر تفكك الاتحاد السوفييتي إلى جمهوريات ضعيفة ومتهالكة، أصبح من غير المألوف أو المقبول من وجهة النظر الأميركية الإمبريالية أن يقول مطلق زعيم أو قائد في العالم مهما علا شأنه وبلغ نفوذه كلمة "لا" للإدارة الأميركية ورئيسها، .فكيف تجرأ ياسر عرفات، وهو في ذلك الحصار الخانق الذي فُرض عليه في "كامب دافيد" أن يقول "لا" بالفم الملآن لرئيس أكبر وأعظم وأقوى دولة، بل الدولة العظمى الوحيدة في العالم آنذاك، ولكل طاقم إدارته الذي كان يشرف على المفاوضات الفلسطينية – "الإسرائيلية" العقيمة ويدعي رعايته لها؟ وطالما أنه فعل ذلك كان لا بد أن يدفع الثمن غالياً!!
نذكر أنه خلال تلك المفاوضات الشاقة والعسيرة حافظ "الختيار" على صلابته وتماسكه وظل متمسكاً بالثوابت الفلسطينية وبالأخص سيادة الفلسطينيين على القدس المحتلة عام 1967 بما فيها المسجد الأقصى المبارك. وكما كان عهدنا به دائماً وأبداً لم ينحن لكل الضغوط الأميركية والدولية والعربية التي مورست عليه وعلى الوفد الفلسطيني الذي كان برفقته والتي كانت فوق طاقتهما على الاحتمال، خاصة عندما تأكد لهما أن الرئيس بيل كلينتون قد انتقل من دور الوسيط الذي يفترض أن يتسم بالنزاهة والحيادية إلى دور الشريك الكامل للوفد "الإسرائيلي" الذي كان يرأسه آنذاك رئيس الحكومة أيهود باراك وأصبح لا هم له غير تنفيذ الأجندة "الإسرائيلية" على حساب القضية الفلسطينية والحقوق الفلسطينية المشروعة التي أكدتها القرارات الدولية التي صدرت عن الأمم المتحدة وفي مقدمها 181 و194 و242 و338 و"مرجعية مؤتمر مدريد" ومبدأ "الأرض مقابل السلام".
وعلى ما أعتقد فإن جميع الذين تابعوا تلك المفاوضات يتذكرون حجم الإساءة التي وجهتها وزيرة الخارجية الأميركية في إدارة كلينتون حينذاك مادلين أولبرايت عندما رفعت صوتها بعهر وفجور في وجه الرئيس الفلسطيني مذكرة إياه بنبرة تهديد أنه "في حضرة رئيس أكبر دولة في العالم" متناسية أنها كانت هي ورئيسها في حضرة زعيم وقائد واحدة من أشرف وأنبل الثورات التي عرفها التاريخ على مر العصور.
وبقدر ما كان لموقف الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الوطني والتاريخي من أثر إيجابي على نفوس الفلسطينيين سلطة وطنية وشعباً باعتبار أنه شكل ضربة قاسمة للسياسة الأميركية المنحازة "لإسرائيل" والعاجزة عن القيام بدور الوسيط النزيه في "عملية السلام" المرجوة، فإنه مثل (القشة التي قسمت ظهر البعير) في موقف الولايات المتحدة وإدارة الرئيس بيل كلينتون من الرئيس الفلسطيني.
فبل كلينتون الذي كان يطمح إلى تتويج ولايته الثانية بإنجاز سياسي دولي من النوع الثقيل مثل توقيع اتفاقية سلام بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين" دون ما اعتبار من قبله لماهية تلك الاتفاقية أملاً في الحصول على جائزة نوبل للسلام، راعه أن يحرمه الرئيس الفلسطيني الراحل بذلك الموقف المبدئي من الأمل في تحقيق حلمه!!
لكن الوقائع دللت على أن موقف الرئيس الفلسطيني ذلك لم يكن السبب، لا المباشر ولا غير المباشر، في تضاؤل أمل بيل كلينتون في الحصول على الجائزة المبتغاة بقدر ما كانت الخديعة التي أوقعه في شركها شريكه وحليفه أيهود باراك، عندما أقنعه بأن الظروف كانت ناضجة لإجراء تلك المفاوضات وأن السلطة الفلسطينية "بلغت من اليأس وقلة الحيلة درجةً باتت معها على استعداد للقبول بأي حل"!!
من هنا جاءت الدعوة المرتجلة فيما بعد ل "مفاوضات الدم" التي جرت في مدينة "شرم الشيخ" المصرية في ظل المجازر التي كانت قوات الاحتلال "الإسرائيلي" قد شرعت بارتكابها ضد الفلسطينيين بعد الاقتحام الشاروني الهمجي للمسجد الأقصى المبارك بتدبير من باراك وحماية من حكومته.
وكما كان متوقعاً، فقد أفشل باراك تلك المفاوضات مثلما أفشل مفاوضات (كامب دافيد)، فحرمت نتائجهما كلينتون من جائزة نوبل للسلام وحرمته هو من العودة إلى السلطة بعد خسارته في الانتخابات العامة "الإسرائيلية" أمام زعيم "حزب الليكود" آنذاك الإرهابي آرئيل شارون.
ومع يقين الرئيس بيل كلينتون وإدراكه لمسؤولية باراك الكاملة عن فشل مفاوضات "كامب دافيد" و"شرم الشيخ" في ما بعد وقناعته التامة التي لا يلتبسها أي شك بحسن نوايا الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وسعيه الصادق والأمين وراء "السلام العادل والمشرف"، إلا أنه ظل على موقفه المعادي لعرفات والذي انتقل بناءً لتوصيته في ما بعد إلى خليفته الأرعن جورج دبليو بوش، الذي عمل بنصيحة "المحافظين الجدد" والمسيحيين المتصهينين في الولايات المتحدة والإرهابي آرئيل شارون فنفى عنه بشكل اعتباطي وأهوج صفة الشراكة في مفاوضات السلام المتعثرة بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين"، يومها مثل ذلك الموقف "كلمة السر" "الإسرائيلية" – الأميركية فيما يخص مستقبل الرئيس الفلسطيني "الجسدي"!!
ومن سوء طالع "الختيار" أن هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 جاءت لتمثل فرصة "ذهبية ونادرة" للإرهابي آرئيل شارون الذي استغلها أحسن استغلال بتأييد ودعم المحافظين الجدد والمسيحيين المتصهينين في ظل تردي واهتراء النظام الرسمي العربي، فتفنن في ممارسة الضغوط تلو الضغوط على السلطة الفلسطينية وبالأخص عليه. ولطالما تمنى له الموت وعمل من أجله عندما كان جنرالاً ومن ثم وزير دفاع وبعدما أصبح رئيس حكومة.
بعدما شرّف الزعيم الخالد ياسر عرفات العرب بتفجير الثورة الفلسطينية المباركة في عام 1965 وزادهم شرفاً بنصر "الكرامة" وهم في ذروة هزيمتهم، كان لا بد وأن يتحول إلى هدف صعب لجميع جنرالات "إسرائيل" وفي مقدمهم الجنرال الإرهابي آرئيل شارون،ومثله كذلك إخوانه في القيادة الفلسطينية.
وبما أن المقام لا يتسع لسرد جميع محاولات الاغتيال التي تعرض لها الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات "أبو عمار" ونحن نُحيي ذكرى أحد عشر عاماً على غيابه، فإنني أذّكر فقط بأعداد الجواسيس الذين حاول جنرالات "إسرائيل" بمن فيهم شارون زرعهم بين ظهرانيه واستطاع بحسه الأمني ويقظة المحيطين به اكتشافهم وإحباط محاولاتهم الدنيئة، وأذّكر كذلك بالمحاولات الإجرامية التي نفذها الطيران "الإسرائيلي" مستهدفاً أماكن تواجده بأوامر مباشرةٍ من الإرهابي آرئيل شارون الذي كان وزيراً للدفاع خلال حصار بيروت الذي استمر ثلاثة أشهرٍ متواصلة.
وهل استهدفت جريمة الإغارة على حمام الشط أحداً غير القائد الذي أقض مضاجع "الإسرائيليين" قادة وشعباً؟! وهل لغير "الإسرائيليين" وعلى رأسهم شارون ألف بل مليون مصلحة في تغييبه عن مسرح العمل السياسي وعن الحياة أيضاً؟
جميع الأدلة والوقائع والأحداث السياسية التي جرت منذ قام ياسر عرفات بتفجير ثورته حتى لحظة ترجله ورحيله الغامض "في الساعة الرابعة والنصف من فجر يوم الخميس الحادي عشر من شهر تشرين الثاني 2004 " وبالأخص في فترة حصاره في مقر الرئاسة، أشرت بأصابع الاتهام في مقتله إلى جنرالات "إسرائيل" وبالأخص رئيس وزرائها آنذاك الإرهابي آرئيل شارون، وأكدت ذلك جميع التقارير والاستنتاجات والتحليلات الطبية والاستخباراتية الفلسطينية والعربية والدولية الرسمية والعامة.
لقد افتروا عليه في حياته وكذلك في مماته!! نعم كان "الوالد" مُفترى عليه في حياته، لأنهم جعلوا من الإرهابي شارون "داعية سلام" واعتبروه هو "عقبة في طريق السلام"!! وافتروا عليه وهو موارى الثرى، لأن "العقبة" اغتيلت ومر على اغتيالها أحد عشر عاماً بالتمام والكمال ولم يُقم الإرهابي القديم "داعية السلام" ولا من خلفوه على السلطة في تل أبيب بأي خطوة نحو السلام مع الفلسطينيين، بل على العكس من ذلك فقد عاثوا في الأرض فساداً.

آلاف مؤلفة من المقالات والتحليلات كُتبت ونشرت حول رحيل الرقم الفلسطيني الصعب ياسر عرفات خلال الأحد عشر عاماً المنصرمة التقت جميعها مع قناعة الفلسطينيين بأنه مات مسموماً وشكهم بوقوف "إسرائيل" وراء جريمة اغتياله، بتشجيع ومباركة من الولايات المتحدة أو تواطؤ منها.
مجدداً سأتجاوز جميع هذه المقالات والتحليلات وأقف عند المقال الذي كتبه "الإسرائيلي" يوري أفنيري قبل عامين من رحيل الزعيم الفلسطيني،وهو المقال ذاته الذي وقفت عنده في الذكرى الأولى لترجل الفارس العربي الكبير.
قال يوري أفنيري، الكاتب في صحيفة "معاريف" منذ عام 1993 وأحد مؤسسي "غوش شالوم" وأحد المدافعين عن مشروعية قيام دولة فلسطينية إلى جانب "إسرائيل" وأول "إسرائيلي" أقام علاقات متواصلة مع الرئيس الفلسطيني الراحل منذ حصار بيروت في العام 1982 وحتى وفاته، في مقاله الذي نُشر باللغة الإنكليزية في 24 سبتمبر/ أيلول 2002 وحمل عنوان "متى تقرر قتل عرفات؟":
وأنا أكتب لا يزال عرفات حياً، لكن حياته معلقة بخيط رفيع، عندما زرته لآخر مرة في مقر المقاطعة المهدم في رام الله، حذرته من أن شارون اتخذ قراراً بقتله، ومن يعرف شارون يعرف جيدا أنه لا يتردد في القتل، ولا يتراجع عن قرار اتخذه، وإذا ما فشل في تحقيق هدفه في المرة الأولى فإنه يحاول مجدداً ومجدداً، ولم يصدف أن تراجع عن قرار بالقتل.
في بيروت المحاصرة حاول أن يقبض عليه، وكلف عشرات الكتائبيين من عملائه بالبحث عنه في شوارع بيروت الغربية، لكنه نجا بنفسه مثلما نجا من محاولات عديدة لاغتياله قبل وبعد حصار بيروت، واليوم شارون مقتنع بأنه قادر على قتل عرفات، وهو لا يحتاج إلا لموافقة جورج بوش. هذه الموافقة يمكن أن تكون رسمية أو خطية، إشارة أو غمزة عين منه تكفي، وسيكون من السهل الانتقال إلى التنفيذ.. حادث عرضي ما يكفي!!!".
وباعتبار أنه عارف ببواطن الأمور "الإسرائيلية" وشاهد من أهل البيت، لم يتردد أفنيري في إنهاء مقاله بتحميل شارون ووزرائه مسؤولية عملية اغتيال الراحل الكبير قبل حدوثها في قوله: "إذا حصلت هذه الكارثة فإن حكومة شارون سوف تتحمل المسؤولية كاملة عنها، ولن يغفر التاريخ لأي وزير تواطؤه في القتل، ولن يسامح "الإسرائيليون" أحداً من الذين شاركوا في المؤامرة أو الذين سكتوا عنها، كلهم مسؤولون، إنها الدقيقة الأخيرة المتبقية لكي ننهض جميعاً ونقول بصوت عال: لا!!!
هذا غيض من فيض ما جاء في مقال يوري أفنيري. وأفنيري "الإسرائيلي" هذا لم يتردد أيضاً في كشف حقيقة ما جرى في مفاوضات "كامب دافيد" وتفنيد الأكاذيب الأميركية – "الإسرائيلية" ليبين كم افترت إدارتا بيل كلينتون وجورج دبليو بوش على الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات إرضاءً لعيون "إسرائيل" وقادتها الموغلين في إرهابهم والملطخة أياديهم بالدم الفلسطيني البريء، والذي يأخذ شكل الشلالات المتدفقة هذه الأيام في مواجهتهم لانتفاضة السكاكين الباسلة.
سيبقى الراحل الكبير.. الزعيم.. القائد.. الوالد الختيار مُفترى عليه حتى يُنصف في غيابه بالكشف عن سر عشائه الأخير، ويلقى الذين ارتكبوا جريمتهم بحقه أشد العقاب. وسيبقى دمه أمانة في أعناق الذين أحبوه حتى ينصفوه من الذين كرهوه، وذلك من خلال الكشف عن اللغز الذي أحاط برحيله.
*الرئيس صدام حسين
في البناء السيكولوجي لشخصية الرئيس صدام حسين، ثمة جموع حاشدة، وجنود مدججون بالسلاح، وساحات حرب ملحمية، وكأن نبوخذ نصر، او صلاح الدين الايوبي يسير تحت جلده، وهو اقرب بهذا الى شخصية جمال عبدالناصر مؤسس فن المواجهة والصدام والتمرد على (شرعية واشنطن) منه الى شخصية حافظ الاسد او ياسر عرفات سادة التكتيك والدفاع والمناورة السياسية.
تحكم صدام حسين، منذ ان تسلم السلطة عام ،1979 في المناخ النفسي لدول الخليج العربي، ودول اخرى مجاورة مثل ايران وتركيا، ودول اخرى بعيدة مثل امريكا وتل ابيب، لم يكن احد منسجما مع مشروعه، وهو كما قال دوغلاس هيرد وزير الخارجية البريطاني الاسبق، ليس من النوع الذي يموت على فراشه، اذ ليس ثمة سوى المواجهة التي تضع المنطقة على حافة السكين.
التحدي، او ركوب الموجة العاتية بعيدا عن حسابات النصر او الهزيمة لا يرتبط بموقف معين في حياة صدام حسين، دون ان ننسى تأثير خاله خير الله على تكوينه النفسي والفكري، وانما هو جزء اساس في مزاجه كان معه منذ سنوات طفولته القاسية، وقد يكون تعبير الطفولة غير منسجم مع السنوات الاولى لحياة صدام حسين فالرجل كان دائما اكبر من عمره وربما اكبر من المكان.
رفض الصغير صدام حسين، المولود في عام 1937 لعائلة فلاحية فقيرة في قرية العوجة قرب تكريت دون ان يعرف اباه ابدا لانه توفي وهو في بطن امه فتكفل به عمه الذي اصبح زوجا لامه، رفض وهو في العاشرة من عمره الخضوع لرغبة ذويه، فقرر ترك منزل العائلة والانتقال الى منزل خاله خير الله طلفاح، والد زوجته ساجدة فيما بعد.
سيكون خيرالله فيما بعد بمثابة المعلم الخاص لصدام حسين، فهو قاتل ضد الانجليز خلال الانتفاضة العراقية عام ،1941 وهو ملأ رأس الصغير صدام بالقصص البطولية عن التضحيات من اجل العراق، وبدا وكأنه في تلك الفترة تحديدا لبس شخصية نبوخذ نصر ملك بابل الذي سيطر على القدس، وصلاح الدين الايوبي الذي استعاد القدس من الصليبيين.
احب الخال ابن اخته ووجد في شخصيته شيئا دفعه لاخذه معه الى بغداد وتعريفه بافكار حزب البعث العربي الاشتراكي، لم يفكر صدام حسين طويلا فانضم مباشرة الى صفوف الحزب في عام 1956 وهو عام العدوان الثلاثي على مصر، وترك هذا العدوان تأثيرا واضحا في صدام الذي احب شخصية جمال عبدالناصر.
ظهرت جرأة صدام حسين بشكل مبكر، ولفت انتباه المحيطين به، ففي عام 1958 القت حكومة عبدالكريم قاسم القبض عليه والقت به في السجن، ففاتحه رفاقه في الحزب بتكليف من القيادة بخطة لتصفية قاسم، ولم يتردد صدام في الموافقة على تنفيذ المهمة، واعتبر تكليفه بها تكريما له لا يوازيه تكريم.
كانت عملية الاغتيال مثيرة الى ابعد حدود الخيال، اذ بعد فشل المحاولة اصيب صدام في ساقه اليسرى برصاصة لم تمنعه من الهرب والوصول الى سورية بعد رحلة شاقة اجتاز خلالها نهر دجلة سباحة، ومن سوريا غادر الى القاهرة ليكمل دراسته الثانوية والجامعية في كلية الحقوق جامعة القاهرة.
نضجت موهبته القيادية خلال وجوده في القاهرة، فانتخب في قيادة الحزب في القاهرة حتى وصل الى قيادة فرع مصر مستفيدا من التجربة الناضرية، عاد الى بغداد بعد سقوط نظام عبدالكريم قاسم في عام ،1963 ظهرت جرأته التي باتت احدى سماته الرئيسة، ففي صيف عام 1963 وقف في المؤتمر القومي السادس لحزب البعث الذي انعقد في دمشق ليحذر من استمرار الاجواء التكتلية المشحونة في العراق.
قامت حكومة عبدالسلام عارف الذي ارتد عن مبادىء البعث بملاحقة صدام حسين في نفس الوقت الذي كان فيه صدام يوثق علاقته برفيقه احمد حسن البكر فاخذا يعملان سوية لبناء حزب بعث قومي متماسك، وسافر سرا الى دمشق للمشاركة في المؤتمر القومي السابع للحزب والتشاور مع مؤسس الحزب ميشيل عفلق.
اثر عودته الى بغداد عين مسؤولا عن التنظيم العسكري للحزب ومن خلال هذا المنصب اخذ يحضر لعملية تغيير النظام وحدد شهر ايلول من عام 1964 موعدا لتنفيذ الخطة. غير ان السلطات كشفت العملية قبل تنفيذها فالقت القبض على مجموعة كبيرة من البعثيين، وطلبت قيادة الحزب في دمشق منه الهرب غير انه رفض ذلك وأصر على البقاء في بغداد الامر الذي ادى الى اعتقاله في تشرين الاول عام 1964 وتعرضه للاضطهاد، وفي السجن عكف على الدراسة وقام باستمالة الحراس لافكار الحزب ونظم اضرابا عن الطعام وفي السجن اكمل دراسته للحقوق.
تمكن بعد عامين من الهرب من السجن وعمل في تلك الفترة على الحفاظ على تماسك الحزب بعد ان تعرض اثر حركة 23 شباط 1966 الانقلابية ضد القيادة القومية للحزب في دمشق الى هزة قوية افقدت الحزب الكثير من قوته ووحدته.
كان صباح 17 تموز 1968 صباحا غير اعتيادي وتاريخيا فقد ارتدى صدام حسين في ذلك اليوم بزته العسكرية واعتلى احدى الدبابات، وفق خطة مدنية عسكرية ودخل القصر الجمهوري لانهاء حكم عبدالسلام عارف، واثر سقوط عارف اذاع مجلس قيادة الثورة بيانا بتعيين احمد حسن البكر رئيسا للجمهورية، وتقرر ان يكون صدام حسين نائبا لرئيس مجلس قيادة الثورة.
منذ الايام الاولى لتسلمه موقعه، فتح صدام حسين الملفات الحساسة الكبيرة مثل امن الثورة والمفاوضات مع الاكراد في الشمال، ونجح في عقد اتفاق للحكم الذاتي للاكراد في اذار من عام 1970 واشرف بنفسه على تأميم النفط عام 1972 وعقد معاهدة مع الاتحاد السوفياتي، وتحفظ صدام على القيادة العربية التي لم تشاور بغداد في قرار حرب تشرين ،1973 واشرف صدام بنفسه على التخطيط وتوجيه الادارات والاجهزة دون ان يخدش العلاقة الخاصة التي ربطت بينه وبين البكر الرئيس.
مرت السنوات الخمس الاولى من حكم البعث هادئة دون منغصات حتى كان عام 1973 الذي حمل معه حدثا هاما، فقد دخلت واشنطن على الخط العراقي مباشرة، فعملت على دعم التمرد الانفصالي في الشمال، وقامت بمده بالسلاح، وشاركت قوات شاه ايران في المعارك ضد العراق، واعلن صدام ان العراق قادر على الصمود امام المؤامرة، وتراجع شاه ايران عن حالة العداء المكشوف مع العراق، ووافق على اتفاقية الجزائر عام 1975 وبروتوكول طهران لترسيم الحدود بين البلدين.
احد اخطر الملفات التي تسلمها صدام حسين كان ايجاد تكنولوجيا عربية متقدمة، فالحق لهذه الغاية هيئة الطاقة الذرية العراقية بمكتبه، وتولى شخصيا التفاوض مع فرنسا لشراء المعدات وتدريب العلماء والفنيين، ولفت الانظار اليه كرجل بغداد القوي في الفترة ما بين عامي 1974 و 1979.
تدارك صدام حسين انهيار النظام العربي بعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد، فعمل على عزل نظام الرئيس انور السادات ودعم جبهة الصمود والتصدي والثورة الفلسطينية، وقام بجولة عربية زار خلالها الكويت والسعودية والاردن وسوريا لتأمين الساحة العربية، واستضاف قمة عربية عام 1978 عزلت السادات بعد ان قام شخصيا بصياغة البيان الختامي.
تمكن صدام من الاغلاق السياسي للوطن العربي امام مشاريع التسوية، دفع الرئيس احمد حسن البكر الى المبادرة طواعية في تموز عام 1979 للتنازل عن السلطة وتسليم رفيقه صدام المسؤولية، وانتخب صدام نائبا للامين العام وامينا لسر القيادة القطرية لحزب البعث ورئيسا للجمهورية وقائدا للقوات المسلحة، وما هي الا ايام قليلة حتى نجح في كشف مؤامرةداخلية شارك فيها عدد من الحزبيين القياديين لاسقاطه، وحسم صدام المواجهة نهاية الامر لصالحه بسرعة برهنت على حزمه وعدم تهاونه مع خصومه.
اخذت مسألة العلاقة مع ايران وباقي جيرانه في الخليج حيزا مهما في تفكير صدام حسين فتمحورت جميع قراراته في الثمانينات حول هذه المسألة، وفي لحظة تاريخية مفاجئة تحولت الحدود الايرانية العراقية في ايلول عام 1980 الى ساحة حرب، وانتصارات وهزائم متبادلة، افقدت الجارتين اللدودتين المسلمتين الكثير من قدراتهما المادية والمعنوية، وخلال سنوات الحرب الثمانية فشلت لغة الحوار بين المتخاصمين، وسقط الآف من الشهداء من الطرفين، ولم يأت عام 1988 حتى كان التعب قد انهك الدولتين وكانتا امام خيار القبول بقرار مجلس الامن الدولي رقم (598) او الاستمرار في حرب اللامعقول، واختارت ايران قبول القرار الذي كان قبوله اصعب، على آية الله الخميني، كما قال ذات يوم، من تجرع السم، لم ينه هذا القبول حالة العداء بين صدام وجارته ايران، فقد بقيت الحدود ساخنة، وكان الاثير يحمل بين الفينة والاخرى الكثير من الغضب.
علاقة صدام حسين بجيرانه في الخليج العربي كانت تحمل في تفاصيلها الصغرى كل المتناقضات خاصة في الثمانينات، فقد كان ينبغي على الخليج ان يدفع فاتورة قيام العراق (بحمايته) من الطموحات الايرانية، وكان يبدو بأن المشهد الدرامي يروق للبعض، ولم تكد الحرب العراقية الايرانية تضع اوزارها ويستريح المحاربون، حتى كان مؤتمر القمة العربي الطارىء الذي عقد في بغداد ايار عام 1990 يضع الجميع علي حافة الجنون والخوف، فقد بدا واضحا بأن العلاقة العراقية الخليجية اشبه بالجمر تحت الرماد.
فشلت جميع المحاولات العربية في تسوية المسألة ورفضت الكويت استقبال المبعوث العراقي واعادته من المطار لأن مجلس الوزراء كان في حالة انعقاد، ولم يأت صباح الثاني من آب 1990 حتى كان الجيش العراقي يسيطر على الكويت، وكان عام الانهيار الكبير في جدار الامة العربية، وتحول العرب الى اعراب وقبائل، وعادوا سيرتهم الاولى اشد نفاقاً وكفراً.
وحشدت اميركا تحالفاً دولياً ضخماً لاخراج صدام حسين من الكويت، وخرج الجيش العراقي من الكويت بعد تدمير جزء مهم منه، وقبل العراق في 28 شباط عام 1991 جميع قرارات مجلس الامن الدولي المتعلقة بالمسألة، وكان التوقع السائد آنذاك ان صدام حسين، وبعد تمرد الشمال والجنوب انتهى. غير انه خرج من الازمة قويا، فقد سحق التمرد واعاد بناء الجيش رغم الحصار القاسي ولجان التفتيش الدولية التي جاءت تستفز العراق وتتجسس عليه اكثر مما كانت تقوم بمهمة استكشافية علمية.
ونرى صدام بعد ذلك ينتقل بالعراق، كما قال طارق عزيز ذات يوم، من (الشرعية الثورية) الى (الشرعية الدستورية) بعد حصوله على نسبة (99) بالمائة من اصوات العراقيين، وهي نسبة قريبة لما حققه رؤساء عرب اخرون مثل حافظ الاسد ومحمد حسني مبارك، فهي انتخابات الزعيم الوحيد الاوحد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وسيكون صدام حسين فيما بعد هدفاً لحملة اعلامية وسياسية عسكرية اميركية، في ظاهرها تجريد العراق من اسلحة (الدمار الشامل)، وفي باطنها حرب بالوكالة لحماية تل ابيب ومشروع شارون التوسعي، وسيرفض صدام جميع التهديدات والانذارات الاميركية، وعلي عكس ما يصفه الاعلام الاميركي بأنه يفتقد للمنطق والحسابات العقلانية، فان دراسة سجل صدام كما قال د. جيرولد بوست مدير برنامج علم النفس السياسي في جامعة جورج تاون، خلال العشرين سنة الماضية تدل على انه سياسي حصيف، وليس بأي حال سياسيا لا عقلانيا، وهذا على رغم انه خطر الى اقصى درجة، ويقول محللون امريكيون ان صدام يتخذ ما يراه ضروريا من اجراءات (متطرفة) لتحصين نفسه ذاتيا ضد المؤامرات والضغوطات الخارجية.
رجل الشرق الاوسط المريض، مثل رجل اوروبا المريض (الدولة العثمانية)، هو مخلوق خيالي امريكي بالكامل كما يقول ستيفن هامفريز بروفسور التاريخ والدراسات الاسلامية في جامعة كاليفورنيا، وهو يمكن ان يتخذ شكل (الارهابي المعمم)، كأسامة بن لادن، او الرئيس ببذلة غربية كصدام حسين، لكنه في كل الاحوال عنيف تستهلك كراهيته لامريكا كل طاقته.
هل خسر صدام حسين حروبه السابقة، يقول د. بوست اظن ان صدام رغم خسارته حرب عام ،1991 قد حقق نصرا للعراق، علينا ان ننظر الى مفهوم النصر من منظور عربي، ان تكون لديك الشجاعة لتواجه اقوى دولة في العالم، امر ينطوي على الكثير من الهيبة والاقدام .
وسيقدر للاعلام الامريكي المسيطر ان يقدم للعالم صبيحة التاسع من نيسان الحالي، صورة مشوهة للعراقيين حتى تمحى صورة الصمود والكبرياء من ذهن العرب والعراقيين على حد سواء، وسيقتل صدام حسين معنويا بتحطيم تماثيله وتمزيق صوره وشتمه، وينبغي ان يختفي صدام حسين المتحدي لامريكا لتبنى بدلا منه صورة زائفة لقائد ترك شعبه في ساحة المعركة ومضى لمكان مجهول قد لا يعرف ابدا، انه الرجل الذي تجرأ والقى بصواريخ سكود على العمق الاسرائيلي.