يوم "الشتوة الكبيرة"
جفرا نيوز - بقلم الدكتور محمود عبابنة
في تراثنا الشعبي درجت جداتنا رحمهن الله - وعند الاضطرار لتحديد تاريخ معين ان تقول مثلا .. ولد فلان يوم الثلجة الكبيرة او قبل او اثناء دوام الثلجة و من اليوم سنؤرخ لأيامنا بأحداث كبيرة حصلت، فمثلاً نقول توفي فلان سنة حريق الجمرك أو نقول مثلا كان عبد الله النسور ما زال رئيسا للوزراء يوم الشتوة الكبيرة ، الا ان المفارقة ان تأريخ أحداث الماضي لم تشهد كوارث فالقرى والمدن الصغيرة لم تكن تغرق وكان فلاحين زمان يقومون بتطيين البيت ( العقد ) وتفقد المزاريب والكواير وفتح مجرى العريشة قبل كل موسم الشتاء، و لم يسجل وفيات على ذمة الجدات، بل كان الناس وعلى رأسهم مختار القرية يهبون لنجدة من يتعرض لأية أضرار.
في شتوة خميس عمان واجهنا الشتاء بدون تطيين و صيانة و بقيت المزاريب مغلقة والعبارات عاجزة عن تصريف مياه شتوة غزيرة لنصف ساعة أو يزيد و لم يقصروا موظفي الامانة الموجودين في الميدان ، لكن المشكلة لا تتعلق بهمتهم في ذلك اليوم فالمشكلة تعود إلى سنوات ماضية تتلخص بعدم وجود استراتيجية ثابتة وواضحة تنظم هبتهم عند حدوث طارئ بل بقي أسلوب الفزعة، "وين هابين الريح راحوا".
فما حصل لا يعتبر من القوة القاهرة حسب تعريف القوة القاهرة القانون الفقهي والذي يقول بأن "القوة القاهرة حدث لا يمكن توقعه أو تفاديه" ، فنحن مقبلون على الشتاء ويجب أن تكون العبارات والمجاري مفتوحة لتصريف المياه، وبالتالي كان يمكن لنا التوقع وإمكانية التفادي. لكن مختار القرية الصغيرة "عمان" كان مسافراً وهذا ليس عيباً ولكنه يصبح مشكلة في غياب وجود مؤسسية تعمل بحضوره أو غيابه .
و المفارقة الاخرى ان فلاحين زمان لم يكونوا من دافعي الضرائب لعدم وجودها اصلا ، في حين اننا الان اكثر شعوب العالم دفعا للضرائب للإسهام في تصميم وبناء بنية تحتية قوية وهي الحجة القانونية والاقتصادية للدولة لتقاضي معقولة، وليس سيلاً من الضرائب والرسوم التي ما أنزل الله بها من سلطان أو تفرض بعددها في أي مكان كضريبة الدخل والمبيعات ، ورسوم نقل ملكية عقارات ورسوم ضرائب ترخيص ونقل ملكية سيارات ، ومخالفات سير غيابية وحضورية ، وجمارك ورسو م لا عد لها ولا حصر ومن أهمها رسوم مجاري، والطرفة في هذا النوع من الرسوم أننا ندفعها والمجاري مغلقة لا يجري فيها سوى الوهم وهذا ما أدى إلى غرق عمان... كنا نفرح لمجيء الشتاء ونفرح لفيروز وهي تغني - رجعت الشتوية - واصبحنا الان في كل صباح ننظر إلى السماء ونتأمل غيمة على اليمين أو الشمال وبدل أن نفرح نصاب بالهلع، ونردد يا الله يا مجيب الدعاء رد عنا البلاء، ونقرأ سورة الفلق لعل الله يحمينا من الغرق.