مـسـتـشـار الـمـلك (4)


جفرا نيوز - كتب اسماعيل الشريف «من يترك نفسه أسير الماضي يفقد المستقبل» – الحسين بن طلال هذه الحلقات مستوحاة في معظمها وأحيانا ترجمة حرفية لكتاب ضابط المخابرات الأمريكي جاك أونيل «Jack O nell» الذي نشر مذكراته في كتابه مستشار الملك: مذكرات الحرب والجاسوسية والدبلوماسية في الشرق الاوسط Kings Counsel: A Memoir of War Espionage and Diplomacy in the Middle East تحدثنا في الحلقة الماضية عن المفاوضات الشاقة التي قادها جلالة الملك المغفور له الحسين بن طلال وأدت إلى صدور القرار التاريخي لمجلس الأمن الشهير صاحب رقم 242، وتحدثنا عن أسرار الصفقة العسكرية الأمريكية في عام 68، وأحداث أيلول والتحضيرات السرية لحرب 73، وبينّا أن الملك قبيل الحرب لم يخبر جولدمائير بهذه الحرب وإنما انتظر لتبادر وتخبره هي، لنكمل:
ما بعد حرب 1973
وضعت الحرب أوزارها وكانت خسائر الأطراف المختلفة كبيرة، فالاحتلال الصهيوني خسر 2600 جندي وثلاثة أضعافهم من الجرحى، و400 دبابة و100-200 طائرة، وخسر العرب 8000 جندي و19000 جريح و1200 دبابة و400 طائرة، ولم تحرر أية أراضٍ سوى قناة السويس. في أول زيارة لكيسنجر للمنطقة بعد الحرب اجتمع من الملك، وأثار الملك موضوع الضفة الغربية، وكتب كيسنجر عن هذا اللقاء في مذكراته أن أولوية «اسرائيل» هي السلام مع مصر ويمكن أن تشارك الأردن فيه، ولم يذكر للملك عدم اهتمام الرئيس نيكسون بتبني سلام أردني – إسرائيلي فكان يرى الرئيس أن المتطرفين اليهود والشيوعيين العرب سيفشلون أي سلام مستقبلي مع الأردن، إضافة إلى ارتباك نيكسون بسبب فضيحة ووترجيت. قام كيسنجر بدعوة أطراف الحوار إلى محادثات في جنيف، الأردن ومصر والاحتلال الاسرائيلي وافقوا على الحضور، ولم تذهب سوريا، وبعد اليوم الأول تبين للأردن أن السبب الرئيس للدعوة لم يكن سلاما يجمع كافة الأطراف وإنما مفاوضات لسلام بين مصر والكيان الصهيوني، وكان أن اتفق السادات وكيسنجر على التنكر للأردن، فتم تشكيل لجنة متابعة أمريكية مصرية اسرائيلية استبعد منها الأردن، بينما كل ما عرضه كيسنجر على الأردن كان ضمن خطة ألون التي رفضها الأردن سابقا، من وجود قوات إسرائيلية على خط الحدود بين شرق المملكة وغربها على طول نهر الأردن مع فتح ممر بينهما، ووافق الأردن هذه المرة كخطوة أولى، ولكن كيسنجر أصر أن تكون هذه هي التسوية النهائية. السادات وبتأييد من بيغن تجنب دخول الأردن على خط مفاوضاتهما خوفا من أن يعيق مساعيهما لسلام شامل بينهما.
قمة الرباط
انطلقت القمة في 28.11.1973، وقبيل القمة كان يعرف الملك توجهات الدول العربية من اعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للفلسطينيين، وقبيل القمة حذر الملك كيسنجر من أن اسرائيل ستجد نفسها تتفاوض مع المنظمة، وكان تخوف الملك من إضعاف موقف الفلسطينيين، ولكن كيسنجر كان يعلم ويحبذ ذلك، وقدم وعودا للملك من إعادة الاحتلال الاسرائيلي أريحا للأردن ودعم الولايات المتحدة في القمة. ولكن أيا من ذلك لم يحدث، بل صوّت كل العرب لصالح منظمة التحرير لتكون هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وكان ذلك قرارا مجحفا للأردن والملك الذي لم يبذل أي زعيم عربي آخر ما بذله لفلسطين، وكتب كيسنجر في مذكراته أنه فضّل أن تمثل المنظمة الفلسطينيين بدلا من الملك الذي كان يضغط بشدة ودون كلل أو ملل لعودة القدس والضفة الغربية عربية مرة أخرى، وانتقال التمثيل للمنظمة سيوقف أية مفاوضات، وبالطبع فالسادات لم يرغب في دخول الأردن مفاوضات متزامنة مع مفاوضاته! كيسنجر لعب لعبته هذه بخسة، فحوّل معاهدة السلام العربية إلى معاهدة ثنائية بين مصر وإسرائيل مزيلا الخطر الحقيقي الوحيد الذي يخشاه الاحتلال، وضحك الاحتلال في سره وهو يقطف ثمار سياسة فرق تسد.
صفقة الأسلحة الأمريكية
في عام 1975 طلبت الأردن الحصول على طائرات هوك وأنظمة دفاع جوية أمركية بقيمة 350 مليون دولار، فالتهديدات السورية كانت في أوجها، وتحركت الدبلوماسية الأردنية ووجد الأردنيون بعد اتصالات برجال الكونجرس أن هذا القرار لو عُرض على الكونجرس فسيحصل على خمسين صوتا فقط نتيجة التغلل الصهيوني، فقام الأردن من خلال مؤيديه في الكونجرس بكتابة 400 رسالة إلى أعضاء الكونجرس لحثهم على الموافقة، وفعلا حصل الأردن على موافقة الكونجرس ولكن على عدد أقل من البطاريات المضادة للصواريخ وبحيث تكون ثابتة فلا توجه إلى الكيان المحتل، وأرسل نيكسون رسالة دافئة للملك قال فيها أنه يرى الملك رمزا للعقلانية والحكمة والوسطية. وفي نفس السنة ونتيجة الضغط الصهيوني، قام الكونجرس بخفض المساعدات للأردن، وتحركت الدبلوماسية الأردنية مرة أخرى واستطاعت الاحتفاظ بنفس الرقم البالغ 240 مليون دولار، وزادت المبلغ النقدي ليصبح 60 مليون دولار، فبخلاف الزعماء العرب الذين كانوا يرون أن الكونجرس أرض صهيونية مغلقة في وجه العرب، كان الملك يرى أن هنالك هامشا يمكن التحرك فيه، وفي كل زياراته للولايات المتحدة كان يقوم بزيارات لرجال الكونجرس.
زيادة مخصصات المخابرات
وفي عام 1975 زادت مخصصات الأردن من وكالة الاستخبارات الأمريكية لتصبح 800 ألف دولار سنويا، وبعد تسعة أيام من الحادث الذي أودى بحياة المغفور لها الملكة علياء والذي تأثر به الملك كثيرا، ظهر مقال قاسٍ في صحيفة الواشنطن بوست يدّعي أن الملك منذ عشرين عاما على كشف رواتب وكالة الاستخبارات الأمريكية، وهي عبارة عن رشاوى، والحقيقة كما بيناها سابقا وعلى لسان المسؤول عن هذا الموضوع أنها لم تكن مبالغ تدفع للملك شخصيا وإنما خصصت منذ عام 58 للمخابرات، فقد كان الملك يتحمل شخصيا تكاليف المخابرات فأرادت الولايات المتحدة مساعدة الأردن بتأسيس دائرة مخابرات ودعمتها بهذه المبالغ التي لم تكن بأي شكل للملك شخصيا، وأما لماذا زاد المبلغ فقد أرسل الملك أنجاله إلى الولايات المتحدة للدراسة وكانت من مسؤولية الدولة الأمريكية توفير الحماية اللازمة لهم وتم رصد ميزانية لذلك، إلا أنه لم يوجد بند لصرف هذا المبلغ، فقامت وكالة الاستخبارات بصرفها من موازنتها من خلال المبلغ الذي يذهب أصلا إلى المخابرات، والدليل على ذلك أنه عندما تم اقتطاع هذا المبلغ أثناء رئاسة كارتر قطع أبناء جلالة الملك دراستهم في الولايات المتحدة وانتقلوا إلى بريطانيا. وظهر كارتر على شاشة التلفاز قائلا لقد اطلعت ودرست هذا الأمر ولم أجد ما يشوبه من مخالفة القانون أو ما هو غير مناسب، وأرسل كارتر رسالة اعتذار للملك عن المقالة في الواشنطن بوست.
موقف كارتر المتضارب وقمة كامب ديفيد
كارتر كان الرئيس الوحيد الذي رغب بعودة الضفة الغربية للأردن، وكان له مواقف حازمة من الاحتلال الصهيوني، فقد أرسل رسالة إلى مناحيم بيغن يطلب منه عدم استخدام السلاح الأمريكي في قصف المناطق الحدودية، وسلمت الرسالة باليد إلى بيغن من خلال العميل الأمريكي فيتز، وبدأ بيغن بقراءة الرسالة وتغير لون وجهه قائلا أنا لا أصدق ما أقرؤه، ولا أصدق أن هذا الكلام يصدر عن رئيس أمريكي، لا أستطيع أن أكمل الرسالة فاقرأها أنت علي، وبعد أن أنهى الرسالة لم يتكلم بيغن وذهب إلى دولاب على الحائط، فتحه وأخرج زجاجة ويسكي وصب كأسين له وللعميل وشرب نخب فوز العميل، وقال أنه سيعرض الأمر على حكومته، وبعد نصف ساعة اتصل بالعميل وأخبره أن «اسرائيل» ستتوقف عن قصف المناطق الحدودية، وفي عام 1978 ألقى كارتر خطابا قال فيه إن للفلسطينيين الحق في تقرير مصيرهم، وقامت عليه الدنيا في الكيان الصهيوني، وردوا بأن كيف يكون للإرهابيين حق تقرير المصير؟ وتحولت كلمة الحق إلى حق. ودعى كارتر السادات وبيغن إلى كامب ديفيد، فقد فشل السادات في مبادرته العام السابق، وكتب السادات رسالة إلى الملك أنه لن يوقع معاهدة سلام منفردة دون أن تعود الضفة الغربية للأردن، وطلب أن يجتمعا سوية في الدار البيضاء بعد كامب ديفيد، وعندما بدأت المفاوضات أراد الأمريكان دعوة الملك لحضور المفاوضات ولكن السادات رد بأنه يفضل عدم حضور الملك لأنه قد يشوش على مفاوضاته، وبالطبع أيد بيغن ذلك، وبعد مباحثات دامت 13 يوما تم التأسيس لخارطة سلام بين مصر والاحتلال الصهيوني بانسحاب الاحتلال من شبه جزيرة سيناء بحيث تبقى منزوعة السلاح مع وجود قوات حفظ سلام وعلاقات طبيعية بين الدولتين، والأمر الثاني الذي اتفقا عليه هو خريطة سلام شامل في الشرق الأوسط مبني على قرار 242، على أن يترك انسحاب الاحتلال من الضفة الغربية للمرحلة النهائية من مفاوضات السلام. غضب الملك كثيرا فهو يعلم أن السادات قد قطع الطريق على أية مفاوضات قادمة، ورفض الملك حضور حفل التوقيع في شهر آذار من عام 1979 أو المشاركة في أية مفاوضات.
تفاؤل جديد
وفي عام 1979 سقط شاه إيران وبدأت حرب أفغانستان، فقررت الولايات المتحدة إعادة بناء تحالفها مع الأردن بعد أن خانته في كامب ديفيد، وكان الملك مبتهجا بفوز ريغن وخروج كارتر من البيت الأبيض، وكانت تربطه علاقات طيبة مع بوش الأب نائب الرئيس، ووجد الملك أنها فرصة جديدة لإحياء مفاوضات السلام، فزار الملك ريغان في شهر نوفمبر من عام 1981. الملك كان كعادته ديناميكيا ومتفائلا في جميع مؤتمراته الصحفية، ولكن الصهيونية ازداد تغلغلها في الإدارة الأمريكية، فأقال ريغن وزير خارجيته هيج بعد أن وصلته رسالة سرية من وكالة الاستخبارات أنه دعم الاحتلال الصهيوني في اجتياح لبنان، وعيّن شولتز بدلا منه، وخرج ريغان باستراتيجية جديدة للسلام مبنية على قراري مجلس الأمن 242 و338، وحكم ذاتي للفلسطينيين بمشاركة أردنية، ولكن الأردن أصر أن يكون هنالك دور لمنظمة التحرير الفلسطينية. كانت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة أن تبقي هذه المحادثات مستمرة، وكانت حيلتهم للمماطلة مطالبة الأطراف دوريّا بالإجابة عن مجموعة من الأسئلة. مشكلة ريجن أنه كان لا يقرأ أية مواضيع طويلة، وحدث أن أرسل الملك إليه ملخصا للقضية في ورقة من عشرين صفحة، قدمت إلى ريغان ودرسها تحت استغراب فريقه، وتساءل الرئيس لماذا لم تقولوا لي الأشياء التي ذكرها الملك؟ وكأنه يسمعها لأول مرة، وطلب الرئيس من وزير خارجيته شولتز الرد على رسالة الملك وأملى عليه النقاط التي يريدها. رسالة الملك كانت مبنية على قرار مجلس الأمن 242، وأيد الرئيس ما كتبه الملك، فجاء جواب ريغن أنه يؤمن بقرار مجلس الأمن 242 وأن البلاد لا تحتل، ولكنه أيضا قال إن القرار يسمح بتغيير حدود 1967، الأمر الذي رفضه الملك قطعيا، وتفاءل الملك في كانون أول من عام 1982 أن السلام يمكن تحقيقه بعد محادثاته مع ريغان، واجتمع مع ياسر عرفات في ربيع عام 1983، وأعلن الملك عن مبادرته للسلام وطوّر من خطة ريغان، وكانت مبادرة الراحل العظيم اتحاد فدرالي أردني فلسطيني، وتطبيق قرار مجلس الأمن 242، ولكن الصقور في منظمة التحرير رفضوا الاتحاد، واستمرت اجتماعات الملك مع عرفات واقترح الملك مفاوضات يرعاها الأعضاء الخمس الدائمون في مجلس الأمن بالإضافة إلى الأردن ومصر وسوريا واسرائيل، وفي بدايات عام 1985 دعا الملك وعرفات إلى انسحاب إسرائيلي من الضفة الغربية واتحاد كنفدرالي بين الأردن وفلسطين وحل مشكلة اللاجئين استنادا إلى قرار مجلس الأمن 242، وكان رد الولايات المتحدة فاترا، وتراجع عرفات عن الاتحاد، ورفضت اسرائيل التعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية ورفضت الانسحاب من الضفة الغربية، وفضّلت مفاوضات مباشرة مع الأردن. وفي بدايات 86 بذل الملك جهدا كبيرا في إقناع الولايات المتحدة بحضور منظمة التحرير الفلسطينية لمؤتمر دولي للسلام، ووافقت الولايات المتحدة بشرط أن تدين المنظمة الإرهاب وأن تقبل بالتفاوض المباشرمع الاحتلال، ولكن منظمة التحرير رفضت ذلك، وتمسكت بمطلب أن يقرر الفلسطينيون مصيرهم، فانهارت المحادثات الأردنية مع منظمة التحرير الفلسطينية مرة أخرى. وفيما حاول الأمريكان الوصول إلى حل مع عرفات استمرت محادثات الملك السرية مع بيريز في لندن. بيريز فضّل التعامل مع الأردن كبديل لمنظمة التحرير الفلسطينية خاصة بعد أن انهارت محادثات الملك مع عرفات، وقطع الملك شوطا كبيرا مع بيريز في لندن من الدعوة إلى مؤتمر دولي للسلام بناء على قراري مجلس الأمن 242 و338، ولكن في عام 86 جاء شامير بدلا من بيريز كرئيس للوزراء فنسف اتفاق لندن، ولم يستطع الملك التعامل معه، وعندما أيقن الأمريكان بانهيار محادثات لندن، قابل شولتز ومساعده ميرفي الملك في لندن في خريف 87 لاقناعه بالموافقة على قمة للسلام برعاية جوربتشوف وريغان، وطلبوا منه إعطائهم الرد بعد يوم، ووعدهم الملك بذلك، وعندما رحلا نسيا ملفا، وبسرعة تم تصوير الملف، وأعيد الملف لمكانه وبعد دقيقتين جاء رجلان من وزارة الخارجية يسألان عن هذا الملف ووجداه حيث ترك، وكشف هذا الملف الكثير للملك من استراتيجية الولايات المتحدة وعدم جديتها في السلام، وفي اليوم التالي عندما جاء شولتز لمقابلة الملك كان الملك ضد أي شيء طلبه أو أثاره شولتز! ومن ضمن ما كشفه الملف خطة شولتز السرية في مفاوضات مؤقتة مع المنظمة تفضي إلى حكم ذاتي للفلسطينيين في المفاوضات النهائية واستبعاد الأردن، لذلك، طلب الملك مفاوضات نهائية وعاجلة مع إسرائيل، وعندما انهارت محادثات الأردن مع شولتز أسر شولتز لمساعديه أنه كان من الصعب تسويق خطته للملك.
فك الارتباط
بعد فشل خطة شولتز، واتفاقية السلام المصرية الأردنية، وعدم رغبة اسرائيل بالتخلي عن الضفة الغربية، والخيانة المستمرة للولايات المتحدة، وعدم جدية الدول العربية في وضع ثقلها من أجل سلام عادل في المنطقة، ورفض منظمة التحرير أي اتحاد كنفدرالي مع الأردن، ودعوة منظمة التحرير في بداية الانتفاضة الأولى عام 87 إلى مقاومة الصهاينة والمستوطنين والنظام في الأردن، قام الملك بفك الارتباط القانوني مع الضفة الغربية باستثناء القدس في عام 88، فالملك قد أنهكه إحباطات السنوات الماضية. وكان عدنان أبوعودة، السياسي الأردني المخضرم والباحث والمحلل اللامع، وراء تأطير تبرير هذا القرار، فالصهاينة لن يبادروا إلى السلام والدول العربية تدعم منظمة التحرير الفلسطينية كممثل وحيد للشعب الفلسطيني، ودعم موقف المنظمة يقتضي تخلي الأردن عن مطالبها بالضفة الغربية. وسيظل قرار فك الارتباط على الدوام ورقة يمكن أن تستخدمها الأردن مستقبلا، فهو بحاجة إلى مصادقة من مجلس النواب الأردني وهذا ما لم يتم إلى الآن.
الأزمة الاقتصادية
نتيجة للأزمة الاقتصادية في الأردن، توجه الأردن للاستدانة من صندوق النقد الدولي، وكان من شروط الصندوق أن تقوم الدولة بتخفيض حجم إنفاقها، وزيادة الضرائب على المشتقات النفطية والمواد الغذائية، فخرجت احتجاجات في معان في عام 1989، وقطع الملك زيارته للولايات المتحدة، وتحمل رئيس الوزراء وزر سياسات الدولة في ذلك الوقت، وبحنكة الملك ومحبة شعبه له استطاع إخماد المظاهرات، وكان من نتائجها إعادة الحياة البرلمانية الأردنية وصدور قانون الأحزاب.
صدام حسين
لطالما اعتبرت اسرائيل أن مصر والعراق يشكلان تهديدا حقيقيا لها ويجب تدميرهما، ورأينا كيف دعمت الولايات المتحدة اسرائيل في تدمير قوة مصر إبان حكم عبد الناصر، أما في العراق فقامت تطوعت الولايات المتحدة لتدمير العراق في حرب شعواء على صدام حسين لعيون اسرائيل، مع أن أيا من الرئيسين لم يشكل تهديدا مباشرا للولايات المتحدة، والاثنين سعيا من أجل علاقات طيبة مع الولايات المتحدة. في عام 82 كانت إدارة ريغان قد حاولت التقرب من صدام، فأرسل ريغان رسالة إلى صدام حملها مبعوث ريغان، رامسفيلد خلال زيارته للمنطقة في تحويلة مفاجئة إلى العراق، وتم إعلام طارق عزيز بهذه الزيارة، فقطع عزيز زيارة له وعاد إلى بغداد وطلب مشورة صدام الذي رحب، وفعلا وصل رامسفيلد في 20.12.83 إلى بغداد وقابل صدام في اليوم التالي، واتفقا على إعادة علاقات البلدين، وكشفت وكالة الاستخبارات الأمريكية عن هذا اللقاء الذي استمر 90 دقيقة وفيه اتفق الطرفان على إزالة أية شوائب في سبيل إعادة العلاقات بين البلدين. وبعد زيارة رامسفيلد للعراق توقف في عمان وعرض على الملك خطاً للنفط بين بغداد وميناء حيفا مرورا بالأردن، فالعراقيون كانوا يعانون من التدخل الإيراني المستمر في الخليج العربي مما يؤثر على صادرات العراق، ولكن الغريب أن الكيان الصهيوني هو من رفض هذا الخط! ولم يكن الملك متحمسا أيضا فالملك رأى أنه لا يجوز ضخ خيرات العرب من خلال الاحتلال. وأرسل صدام رسالة إلى ريغان تضمنت دعوة إلى تحالف عراقي أمريكي، وطلب توجيه دعوة لوفد عراقي رفيع المستوى إلى الولايات المتحدة لبحث هذا التحالف، وطلب صدام فتح قناة بينه وبين الرئيس الأمريكي. صدام كان مهتما برأي أمريكا بخصوص شن حرب ضد إيران، وتكشّف أن رسالة صدام هذه لم تصل إلى الرئيس الأمريكي واختفت في دهاليز وكالة الاستخبارات الأمريكية. ونشأت صداقة قوية بين الملك الراحل وصدام، الذي دعم الأردن بأسعار نفط تفضيلية، واعتاد الملك زيارة مقابر الهاشميين في بغداد بحضور صدام، مما قوّي من أواصر هذه الصداقة، وعندما أوشك صدام على تطبيق حكم الإعدام على ابنه عدي كقصاص له اتصلت زوجة صدام بالملك تطلب تدخله، فلبى الملك وطار إلى بغداد وأقنع صدام بالعدول عن رأيه. ودخلت العراق في حربها الطويلة الطاحنة مع إيران، ويقول كاتب الكتاب أن صدام طمع في أن يكون رجل أمريكا في المنطقة بعد سقوط الشاه، وعلى لسان حسن عبود صديق صدام الذي كان له دور كبير في أحداث أيلول بصفته قائد سلاح الجو الملكي آنذاك، يصف صدام بأنه كان قاسيا وبراغماتيا ويحقق العدالة البدائية ويقتل أعداءه بيديه، وكان وطنيا علمانيا ومعجبا بالولايات المتحدة، وعلى لسان عبود أيضا أن صدام كان جاهزا في أي وقت لعقد صفقة مع أمريكا، هذا لو أرادت الولايات المتحدة ذلك. وبعد نهاية الحرب مباشرة وجد الصهاينة أن صدام بخبرته العسكرية بات يشكل تهديدا لهم، فتحركت الماكنة الإعلامية وبدأت تسويق فكرة أنه يشكل تهديدا للمنطقة، وزار صدام الملك ليستشيره بخصوص التصرف المناسب حيال هذه الهجمة الشرسة، وهل الولايات المتحدة هي من ورائها، وأسست الولايات المتحدة مكتبا في البنتاغون للبحث عن من يقف وراء هذه الحملة وخرجوا بتقرير سري أنها الصهيونية الناشطة في الولايات المتحدة، وبعد أسبوعين من صدور هذا التقرير تم سحب جميع نسخه. وبعد صدور قرار الأمم المتحدة رقم 598 في آب 89 بإنهاء الحرب العراقية الإيرانية فقد توقع صدام عرفانا بجميله وتضحياته لوقف المد الخميني وحماية العرب والغرب منه والذين مولوه بالسلاح والمال، ولكن ما حدث كان عكس ذلك تماما فالكويت طالبت العراق بديونها واتهم صدام الكويتيين بتجاوز حصتهم في إنتاج النفط وسرقة النفط العراقي، وبدأت حرب كلامية بين صدام والولايات المتحدة واسرائيل، واتهم صدام الأسطول الأمريكي في الخليج العربي بأنه يشكل تهديدا مباشرا للعراق وهدد اسرائيل بضربها بأسلحته الكيماوية إن فكرت بضرب المفاعل النووي العراقي.
قبل حرب 1990
وبدأ التوتر الشديد يخيم على المنطقة، وأرسلت وزارة الخارجية الأمريكية رسالة بتوقيع بيكر إلى سفيرتها الأمريكية أبريل جلاسبي، وهي بالمناسبة كانت تعمل في وكالة الاستخبارات الأمريكية وخدمت في الستينيات في مكتب الوكالة في الأردن، وكان مطلوبا من السفيرة تسليم الرسالة إلى صدام، وكتب في الرسالة ما ترجمته الحرفية كما يلي: «النزاعات يجب أن تحل بطرق سلمية لا بالتخويف والتهديد باستخدام القوة. ثانيا، الولايات المتحدة لا تتخذ موقفا من المواضيع الثنائية بين العراق والكويت، ولكن سياسة الولايات المتحدة لم تتغير. لا نزال ملتزمين بضمان حرية تدفق النفط في الخليج وبسلامة وسيادة دول الخليج وحماية مصالحنا في الخليج». التصريحات العراقية اقترحت تسوية الخلافات باستخدام القوة، وهذا نهج مخالف لمباديء الأمم المتحدة. واستدعى صدام السفيرة في 25 حزيران 90، وما جرى في هذا اللقاء الشهير قبل احتلاله للكويت في 2 آب ظل موضع جدال بين رجال الإعلام والكونجرس، وقالت السفيرة في التحقيق الذي خضعت له من لجنة العلاقات الخارجية في الكونجرس أن صدام رجل يعيش بسيفه، وأنها رأت أن الولايات المتحدة تستطيع التفاوض معه، والذي قالته له حرفيا: «ليس لدينا رأي بخصوص الصراعات العربية-العربية مثل خلافكم على الحدود مع الكويت. لدينا تعليمات بأن لا نبدي رأيا حول الموضوع وأنه لا يتعلق بأمريكا!» فاعتقد صدام بعد لقائه بالسفيرة ورسالة بيكر، التي يبدو أنه قرأها بانتقائية، أنهما بمثابة الضوء الأخضر لاحتلال الكويت. وفي رسائل سرية بين السفيرة وواشنطن قالت السفيرة أن العراقيين قد أنهكتهم الحروب، وأنها أوضحت لصدام أن الولايات المتحدة لن تقبل بحل المشاكل إلا بالطرق السلمية، ولاحقا أنكرت الأقوال التي اشتهرت على لسانها أثناء لقائها مع صدام في شهادتها أمام لجنة الشؤون الخارجية، وليس صحيحا الإشاعات التي تحدثت عن وفاة السفيرة أو إصابتها بالمرض بعيد حرب الخليج، فقد استمرت في عملها الدبلوماسي لدى وزارة الخارجية إلى أن تقاعدت عام 2002. وبعد ثلاثة أيام أرسل بوش رسالة إلى صدام جعلته ينتشي من نغمات المصالحة والتودد، تقول الرسالة: «كنت سعيدا بالعلم بالاتفاق العراقي الكويتي لبدء المفاوضات في جده من أجل الوصول إلى حل سلمي للتوتر بين البلدين، للعراق والولايات المتحدة اهتمام مشترك بالمحافطة على السلام في الشرق الأوسط، لهذا السبب فإننا نرى أن أفضل طريقة لعلاج المشكلة تكون بالوسائل السلمية وليس باستخدام القوة، وأنا أيضا أرحب بتصريحكم أن العراق يرغب بصداقة الولايات المتحدة، وتتطلع الإدارة الأمريكية إلى تحسين علاقتها مع العراق، مع دعمنا المستمر لأصدقائنا في المنطقة، وتعلمون أنه لدينا تحفظات على سياسات العراق وسنستمر في إثارة تحفظاتنا بروح الصداقة والصراحة كما كنا في السابق، وأتفق معكم أن تبقى دائما قنواتنا مفتوحة لتجنب أي سوء تفاهم مستقبلي ولبناء أساس متين لتحسين علاقاتنا.»