أزمة التعليم العالي .. القفز عن أصل القضايا بالهروب للأمام

جفرا نيوز- منذ سنوات هنالك لجان تتشكل لدراسة واقع التعليم العالي في الاردن لغايات تتمثل في معالجة المشاكل والازمات، في وقت أن واقع الحال لم يتغير وان تشكيل اللجان، إجراء لامتصاص لردات فعل تحدث ازاء كل «ازمة» تضرب هذا القطاع. فاللجان وما تمخض عنها من دراسات واستراتيجيات وتوصيات، لم تحل المشكلة، فالازمة تتنامى، وهذه اللجان تتكاثر ، دون ادنى انعكاس ايجابي على واقع الحال. ليس هذا فقط، بل ان التطوير الشكلي الذي طرأ على واقع التعليم، فاقم الازمة وصعب عملية الحل، بسبب انه «عقّد المشهد»، فمسارات الثانوية العامة تكاثرت الى حد صعوبة حفظ اسمائها، وتخصصات جامعية ذات اسماء متنوعة، احيانا قد لا يستطيع حاسوب ديوان الخدمة المدنية تأطيرها في اي من مجالات التوظيف، وغيرها من الاجراءات التي كانت تحمل ضمنا رغبات اشخاص ولكنها خرّجت للعلن على اساس انها مخرجات لجان. المقترحات الخلاقة والمبادرات الجديدة، التي اقترحتها لجان واشخاص، لم تتضمن حلولا للمشاكل القائمة، بل على العكس، ابعدت الانظار عن حقيقة المشكلة وسببها، بلفت الانظار الى «زوايا» بعيدة عن اصل المشكلة. حقيقة الحاجة المرادة، لا تتمثل في البحث عن مقترحات خلاقة ومبادرات جديدة، إنما ايجاد حلول من خلال دراسات مقارنة بين واقع التعليم في وقت سابق وما طرأ على هذا الواقع من تغييرات في مراحل لاحقة، للوقوف على نقطة بدء الانحراف عن السكة. لا أحد ينكر ان واقع وسمعة التعليم في الاردن بشقيه العام والعالي، وصلت في فترات سابقة، الى التميز على مستوى المنطقة والاقليم ومستوى المنافسة عالميا، إلا أن المحافظة على هذا التقييم فشل و القدرة على تراكم الانجاز لمزيد من التميز بات صعبا، الامر الذي يفرض ضرورة الدراسات المقارنة، لتصويب الاوضاع الخاطئة، لإعادة المسار الى السكة، اولا، وبعدها يصار الى إطلاق وتنفيذ مبادرات ومقترحات خلاقة. الترابط بين مخرجات التعليم العام والعالي، له اهمية في تحديد نقطة البداية نحو الحل، بإعتبار أن مدخلات التعليم العالي تعتمد على مدخلات التعليم العام، في وقت ان مخرجات التعليم العالي هي ادوات مؤثرة في صناعة مخرجات التعليم العام. على مستوى التعليم العالي، الجميع يتحدث عن تدنى المستوى الاكاديمي والاجتماعي الى مستويات خطيرة، وما تشهده بعض الجامعات من مظاهر دليل واضح وقاطع، ويربطه البعض باسباب متعددة. وتتمثل هذه الاسباب :1- دخول اشخاص غير مؤهلين لفئة هيئة التدريس، ما انعكس على الطلبة، الذين سيكون لهم دور في تأسيس وتأهيل مخرجات التعليم العام (طلبة المدارس). 2- فرض الوصاية واحتكار المعرفة والعلم على اشخاص اخذوا يعدلون ويفصلون بأمزجتهم الشخصية في محاور العملية التعليمية انظمة وتشريعا وشخوصا، وبحكم ان نتائج التغيير لا تظهر مبكرا، إنما يحتاج الى سنوات، يفقد الباحث عن الحل «بوصلة» الربط بأن هذه النتيجة السلبية هي من اسباب ذلك التغيير. 3- تعامل الحكومة مع قطاع التعليم العالي بإهمال وكأنها رفاهية للوطن والاردنيين، وما أدل على ذلك تناقص الدعم الحكومي للجامعات، في وقت تعاني غالبية الجامعات من مديونية وعجز موازنات، الى حد انه في إحدى الحكومات، جيرت الحكومة مخصصات جامعات من دعم حكومي لصالح اخرى من باب ومنطلق «المونة». 4- إهمال العلماء واصحاب الخبرة من اعضاء هيئة التدريس والتعامل معهم على اساس انهم موظفون فقط، والاستخفاف بخبراتهم، ومع مرور الوقت اتجه هؤلاء الى السلبية في المشاركة جبرا، وليس طوعا، كما ان الوضع الاقتصادي لهم جعل اولويتهم البحث عن مصادر رزق اضافية. هذه اسباب، وليست الاسباب، فالباحث عن الحلول، قد يقف على عشرات الاسباب الاخرى. كل الاسباب السابقة واخرى.. ادت الى نتائج سلبية انعكست على مخرجات التعليم العالي، وباتت نتائج هذه الانتكاسة والانعكاس السلبي تجد صداها على التعليم العام، الذي هو متلقي ومستقبل لمخرجات التعليم العالي، الذي هو ايضا متلقي ومستقبل ايضا لمخرجات التعليم العام. ومع اكتمال الدورة وسلسلة الحلقات المتكاملة بين دورات التعليم العام والعالي، والتي تحتاج الى 8 سنوات على الاقل للظهور، باتت نتيجة الانتكاسة في قطاع التعليم (العام والعالي) واضحة ولا يستطيع احد انكارها، إلا ان لا احد وقف على السبب وقدم الحل على اساسه، إنما في الاغلب اقتصرت المجريات على تقديم مقترحات غير مستندة الى مبررات مرتبطة بأصل المشكلة، إنما افكار ريادية، تصلح لغايات التطوير، لا لحل ازمات. حالة الهروب الى الامام من خلال تقديم مبادرات تطويرية، التي باتت نهجا، ليست ذات ارتباط مباشر بالمشاكل، وليس وقتها ايضا، يجب وقفها. حاتم العبادي- الراي