النائب مصطفى ياغي يكتب : الاردنيون بين النظام الأغلبي والنظام النسبي


  جفرا نيوز  -كتب : النائب مصطفى ياغي

مارثون الحوار الوطني الذي قادته اللجنة القانونية في مجلس النواب - ان صحت تسميته بالماراثون - قد وضع أوزاره مساء أمس الأحد الاول من تشرين الثاني نوفمبر ٢٠١٥ بالاستماع الى رئيس وأعضاء الهيئة المستقلة للانتخاب وأساتذة كليتي القانون والعلوم السياسية في الجامعات الرسمية والخاصة
وتجدر الإشارة هنا الى ان الأنظمة الانتخابية في العالم ترتبط بالاستقرار السياسي من جهة والتحول الديموقراطي من جهة اخرى
ففي الوقت الذي يسعى فيه النظام السياسي في اي دولة الى الاستقرار، فان المعارضة في ذات الدولة تبحث عن التحول الديموقراطي من خلال ما يسمى بالتداول السلمي للسلطة في محاولة من  الأحزاب للوصول اليها
وانه لا يخفى على احد ان النظام الانتخابي في وطني ومنذ عودة الحياة البرلمانية في العام ١٩٨٩ يأخذ بالنظام الأغلبي الذي جاء به قانون ١٩٨٦ والذي اجريت على اساسه انتخابات البرلمان الحادي عشر ومن ثم تحول الى نظام الصوت الواحد ( الفائز الاول) في انتخابات ١٩٩٣ وحتى انتخابات المجلس الخامس عشر في العام ٢٠٠٧ ليتحول بعد ذلك الى ما اطلق عليه الدوائر الوهمية ضمن الدائرة الانتخابية التي خصص لها اكثر من مقعد نيابي ضمن النظام الأغلبي ( الفائز الاول)
حتى جاء قانون ٢٠١٢ القانون الدائم الذي أقره مجلس النواب السادس عشر والذي أخذ بالنظام المختلط ( الأغلبي والنسبي) ، الأغلبي على أساس الدوائر الفردية والنسبي على أساس القوائم العامه والتي يطلق عليها خطأً ( القوائم الوطنية) كما تم فيه رفع عدد مقاعد البرلمان الى (١٥٠) مقعد منها (٢٧) للقائمة النسبية العامه وثلاث مقاعد للكوتا النسائية لدوائر البدو ( الشمالية والجنوبية والوسطى) وبزيادة قدرها (٣٠) مقعداً عن المجلس السادس عشر
واليوم  ومن خلال مشروع قانون الانتخاب المودع لدى مجلس النواب نرى تحولاً جوهريا يأخذنا الى النظام النسبي ويهجر النظام الأغلبي الذي كان معمولاً به
ولا بد هنا من الإشارة وقبل الغوص في مزايا النظام النسبي ومدى تقدمه عن النظام الأغلبي ، الى ان العالم يعتمد ثلاث انواع من الانظمه الانتخابية ( الأغلبي - الفائز الاول - والنسبي والمختلط الذي يجمع ما بين الأغلبي والنسبي)
وان من بين ال (١٩٩) دولة في العالم (٩١) منها يأخذ بالنظام الأغلبي مثل إنجلترا وأمريكا وأستراليا وكندا  و(٧٢) دوله تأخذ بالنظام النسبي مثل هولاندا وسويسرا والسويد وتونس والعراق و(٣٠) دوله بالنظام المختلط مثل مصر وفلسطين ، في حين ان (٦) دول لا تأخذ باي من تلك الانظمه
وعليه فان الانظمه الانتخابية في العالم تختلف باختلاف الانظمه السياسية .
ويعتبر نظام الانتخاب الأكثري الأقدم والأبسط والأسهل بين مختلف الأنظمة الانتخابية، وأن معظم الدول التي تعمل بهذا النظام تعتمد الدائرة الفردية.
 ويؤخذ على هذا النظام - سلبياته - انه يؤدي إلى زيادة نسبة تمثيل الأكثرية وإضعاف نسبة تمثيل الأقلية، ولهذا السبب تتمسَّك به الأحزاب او التجمعات  الكبيرة، مما يؤدي أيضًا الى إعطاء الحزب او الجهة التي تحصل على الأكثرية الانتخابية، أكثرية برلمانية تفوق ما حصل عليه من أصوات مما يمنع من تحقيق العدالة في توزيع المقاعد النيابية بين الأحزاب الرئيسة والقوى المجتمعية،  كما انه يحول دون تمثيل قسم كبير من الناخبين حتى لو افترضنا في أحسن الأحوال أن عدد المرشحين في إحدى الدوائر كان قليلًا، فإن أحدهم يخسر حتى لو حصل على 49% من الأصوات لمجرد أن منافسه حصل على 51% منها ، كما انه يمنع الأحزاب والفئات المجتمعية الصغيرة من الوصول الى البرلمان هذا فضلا عن انه - اي النظام الأغلبي- يحرم من حصل على عدد كبير من أصوات الناخبين في احدى الدوائر الانتخابية في عمان مثلا  من دخول البرلمان في حين يعطي الفرصة لمن حصل على عدد أصوات اقل من الخاسر في دائرة صغيرة مثل لواء في الجنوب ان يفوز بمقعد في البرلمان وهو بذلك يشكل إخلالا  فيما يسمى بوزن الصوت الانتخابي وقوته
وبرأينا فان اقل ما يمكن ان يطلق على هذا النظام بانه إقصائي ويزيد من نسبة الأصوات المهدورة .

في حين ان نظام الانتخاب النسبيي يؤمن  العدالة الحسابية في توزيع المقاعد النيابية، ويسمح بالتعددية الحزبية، وبتمثيل كل حزب  او جهة في البرلمان بحسب نسبة الأصوات التي حصلت عليها. وهو بالتالي يعكس التنوع السياسي في البلد واتجاهات الرأي العام، ويُسهم في تمثيل مختلف القوى السياسية والاجتماعية، فيحصل كل فريق على حقه وينال حصة من المقاعد تعادل حصته من مجموع عدد المقترعين، الأمر الذي لا يوفره النظام الأكثري.
كما يسهم النظام النسبي في تحديث الحياة السياسية ورفع مستواها لأنه يحد من شخصنة الخيارات السياسية، ويُحفِّز على إنشاء الائتلافات  والتكتلات القائمة على أساس البرامج السياسية، وينمي الحياة الحزبية. كما أنه يُفسح  المجال أمام النخب السياسية الجديدة والقوى الاجتماعية الصاعدة لدخول البرلمان، ويدفع باتجاه إصلاح الحياة البرلمانية عبر التأثير في قيام كتل برلمانية منظَّمة، وفي إقامة تحالفات بينها بهدف تكوين أكثرية موالية تقابلها أقلية معارضة، وتكوين قاعدة صلبة لقيام حكومات مسؤولة على أساس برامج محدَّدة ومُعلنة وحائزة على تأييد الناخبين. كذلك يُشجع على توسيع مشاركة الفئات الاجتماعية في تشكيل القوائمالانتخابية، وقد أدى في أوروبا مثلًا إلى ارتفاع نسبة المشاركة النسائية في مجالس نواب الدول التي تعتمده إلى ثلاثة أضعاف ما هي عليه في البرلمانات المنتخبة على أساس النظام الأكثري.

ولعل الميّزة الأهم لنظام الانتخاب النسبي هي في أنه يقود إلى رفع نسبة المشاركة في الحياة العامة، عن طريق الانتخابات النيابية، لأنه يضمن لجميع المقترعين عدم ذهاب أصواتهم هدرًا، كونهم سوف يتمثلون في البرلمان أيًا تكن القائمة  التي اقترعوا لها. وهذا يحد من إمكان الشعور «بالغبن» أو «الإقصاء» لدى بعض الناخبين.
أما سلبيات هذا النظام فليست قليلة، فبسبب تعدد القوى داخل  البرلمان، قد يتعذر تأمين الأكثرية اللازمة لقيام البرلمان بواجباته مثلاً .

كما أنه يعيق قيام حكومة برلمانية ذات اكثرية متجانسة ومستقرّة نظرًا إلى عدم وجود أكثرية نيابية متجانسة أصلاً . إضافة إلى ذلك فان نظام الانتخاب النسبي يُحد من حرية الناخبين لأنه يرتكز على نظام القائمة الحزبية الانتخابية، ولا يعطي الناخب الحرية في التعديل والتغيير والتشطيب. كما انه يتطلَّب اللجوء الى أساليب حسابية معقَّدة للتوصل الى تحديد ما يحصل عليه كل حزب من مقاعد، ( هاري - الباقي الأعلى - او هونت او سانت لوجي او غيرها من الطرق ) ، كما أنه يمنع اللجوء الى الانتخابات الفرعية لملء المقعد النيابي الذي شغر بوفاة أحد النواب أو إستقالته .
صفوة القول :
اننا امام نظام انتخابي جديد لم يألفه المواطن الأردني الامر الذي قد يجد صعوبة في قبوله مبدئيا لا سيما بعد مرور اكثر من ربع قرن على النظام الأغلبي او الأكثري كما يحلو للبعض تسميته
ولكن في ظني اذا ما كتب لهذا النظام النجاح والاستقرار فانه حتما أفضل من النظام الأغلبي وسوف يؤدي الى الاستقرار وإعادة اللحمه الى النسيج الوطني الاجتماعي الذي مزقه او كاد قانون الصوت الواحد وسوف يمكن من بناء تحالفات على أساس حزبي او فكري او برامجي وصولا الى تأليف الحكومات البرلمانية

النائب
مصطفى ياغي