لعنة “عنق الزجاجة” علقت بحكومة النسور

جفرا نيوز -

لم يتوقف تدحرج قصة "انفجار الجمارك” في العاصمة الاردنية عند اقالة مديرها السابق اللواء منذر العساف أو لدقة التعبير "احالته إلى التقاعد”، التي قررها مجلس الوزراء في جلسته الاستثنائية الخميس، فالجمهور الاردني اليوم وبحادثة من هذا الوزن لا يبدو "قابلا” لفكرة "الكبش” أو "الفزعة” دون مسوغات.
يلحّ الشارع هذه المرة على معرفة الاسباب التي جعلت من مدير الجمارك "الاقرب للتضحية” من اي شخص اخر، الامر الذي تلقفه مجددا رئيس لجنة النزاهة النيابية مصطفى الرواشدة معتبرا ان "حل قضية الانفجار يتمثل باقالة الحكومة برمتها وليس مدير الجمارك” وهو الامر الذي كان قد طالب به الرواشدة ذاته منذ وقوع الانفجار الذي ادى الى وقوع 7 ضحايا واصابات معظمهم من العمالة المصرية.
"رأي اليوم” كانت قد قرأت قرب تضحية الحكومة بالعساف قبل ان تقع، فالاجراءات التي اتخذها الفريق الوزاري منذ حادثة الانفجار كانت تبدو اقرب لإزاحة التبعات عن كاهلها عبر شغله بحمل للمسؤولية، الامر الذي جعلها الخميس عبر اجتماعها الاستثنائي تقرر "الجاني” وتقيله، ضمن اجراء من المتوقع ان يفسّره رئيس الحكومة الدكتور عبد الله النسور على هامش مؤتمر صحفي السبت دعا اليه في هيئة الاستثمار.
الحادثة التي وقعت الاسبوع الماضي في الجمارك حملت العديد من المخالفات فنقل شحنة العاب نارية الى عمان من ميناء العقبة قبل اكتشاف موجوداتها يعني بالضرورة "مخالفة ادارية” او كما احب رئيس مجلس النواب المهندس عاطف الطراونة تسميتها في نقاشه مع "رأي اليوم” هي "ضعف اداري” كشفه الانفجار، معتبرا ان الحكومة تعاملت بإيجابية في الموضوع، ومطالبا بانتظار انتهاء لجنة التحقيق التي شكلها الدكتور النسور لعملها.
بالمقابل، يظهر الحادث "سرعة الاستجابة” لدى رئيس الحكومة الدكتور عبد الله النسور المتلازمة دوما مع "تحسس رأسه وفريقه”، إذ لا يغفل احد ان الدهاء السياسي لدى النسور مع وزير داخليته سلامة حماد بالدرجة الاولى هو من حافظ- حتى اللحظة- على وجود الحكومة بموقع قوة، فبمجرد نشر خبر الحادث كان الرجلان في الجمارك يجتمعان مع كل القيادات الامنية ويحصيان الخسائر، ليعن رئيس الحكومة بذكاء تشكيل لجنة التحقيق.
"ضربة المعلم” التي سددها النسور بتشكيله لجنة التحقيق شخصيا تعني انه مبدئيا ازاح نفسه كرئيس عن واجهة الرؤوس التي قد يتم قطافها في الحادث، وهو ما حصل فعلا بعدها فهو ذاته من قرر احالة العساف على التقاعد الامر الذي يبدو بالنسبة للعساف "اقل الاضرار المفترضة” ككبش فداء مفترض تشير اليه كل الاصابع.
احالة الرجل على التقاعد تعني احتفاظه بكل حقوقه، واحالته قبل ان تنهي اللجنة تحقيقها يعني انه حتى امام الشارع "كبش فداء” وليس مدانا تماما، الامر الذي يمكن ان يستشف بسهولة من قراءة تصريحاته لوسائل الاعلام عقب الخبر، إذ بدا وكأن القارئ يستمع الى تنهيدته العميقة وهو يتحدث عن "خدمته للوطن ولمليكه ومباركته لمن سيستلم بعده”.
العساف ليس مذنبا بعد، ولم يظهر ولن يظهر الامر تماما الا بعد انتهاء تحقيقات اللجنة وغيرها من الجهات اذ بدأت لجنة مكافحة الفساد ايضا عملها، فالانفجار كشف بأقل تقدير عن اهمال اداري بالتخزين والتحميل، وعن اشكالات في الكشف الجمركي، الى جانب كون تصريحات المدير المحال الى تقاعد كشفت عن تقاعس حكومي وواسطة نائب.
ما حصل بمقاييس العالم لتحمّل المسؤولية مؤسساتيا، كان يتطلب امرين اولهما تقديم الحكومة لاستقالتها "كمتحملة للمسؤولية” كما اعلن وزير الطاقة والثروة المعدنية الدكتور ابراهيم سيف بجرأة نادرة لوزير، وان تُكفّ يد العساف عن الادارة حتى انتهاء التحقيق الامر الذي لفت اليه بذكاء النائب جميل النمري في اجتماع لجنة النزاهة النيابية قبل يومين، الا ان القرار المتخذ، ما لم تظهر الحكومة انه اتخذ وفق معطيات جديدة، جاء كفزعة مجددا ويدلل مبدئيا على ان الحكومة بترتيب ما خلف الستار "افتدت نفسها”.
بالنسبة للحكومة الاردنية اليوم المسألة من جزئين، اولا ان لا يثور الجانب المصري على عمان، الامر الذي يبدو ان السيطرة عليه تمت تماما ومباشرة عبر رأسي الدولتين قبل سواهما فقبل ان تصل وزيرة العمل المصرية كان العاهل الاردني قد تلقى برقية من الرئيس المصري نشر انها تؤكد على اواصر المحبة والاخوة، وبعد اقالة مدير الجمارك اتصل الملك عبد الله الثاني بالرئيس عبد الفتاح السيسي.
الجزء الثاني يتمثل بعداد الضجيج الشعبي والرأي العام في القصة، وهو ما بدا مسيطر عليه، فاقالة الحكومة لم يصبح مطلبا شعبيا رغم كونه جاء على السنة نواب كالدكتورة رولا الحروب ومصطفى الرواشدة وغيرهما، ما يعني ان فرسان الدوار الرابع "قد يطمئنوا ومن هذا المنظور فقط” لقرب تعديل وزاري مثلا يطيح برأسين اضافيين بدلا من مغادرة نهائية للوزارات.
الدكتور النسور لم يكتفِ بمنح نفسه السلطة العليا في القضية ويخرج للصف المقابل للانفجار فيحاسب المسؤولين ويتحرى اشكالياتهم وتقصيرهم، ولكنه ايضا قرر استخدام واحدة من اهم تكتيكاته التاريخية الا وهي "اللعب بالورقة الاقتصادية”، والتي يعلم تماما انها ذات الاولوية عند صانع القرار ومؤسسة العرش تحديدا، لتجد الدكتور النسور عقب اجراءاته السريعة في الجمارك، يجتمع بلجنة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ويعلن المؤتمر الصحفي من هيئة تشجيع الاستثمار السبت.
بكل الاحوال استعراض النسور للورقة المذكورة يعني ان الرجل يدرك تماما ان موقفه "حرج” وانه وقد يكون لاول مرة "غير ضامن” لبقاء حكومته او حتى لقدرته على اجراء التعديل الذي تتردد اخباره منذ مدة.. باختصار يبدو ان الحكومة اليوم "في عنق الزجاجة” التي قال وزير التخطيط عماد فاخوري قبل ايام ان البلاد تجاوزتها..

راي اليوم