فحوص مخبرية تظهر عدم تجاوز تراكيز الزئبق المواصفة المحلية

جفرا نيوز -

أظهرت الفحوص المخبرية لـ12 عينة متنوعة من المنتجات الغذائية والتجميلية عدم تجاوز تراكيز الزئبق فيها حدود المواصفة القياسية المحلية، وهو ما تعتبره "منظمة الأرض والإنسان لدعم التنمية" من وجهة نظرها مؤشرا إيجابيا.

لكن المنظمة تطالب بالرغم من تلك المؤشرات بضرورة "تعزيز الرقابة على تلك المواد الداخلة إلى الأردن، وتطوير المختبرات الوطنية بحيث تكون قادرة وبفعالية وبسرعة على قياس وتحري تراكيز الزئبق بمختلف أشكاله فيها"، إضافة إلى إطلاق حملة وطنية للتعريف بالزئبق ومخاطره على الصحة.

وشملت العينات التي جمعتها المنظمة للاستدلال على نسب الزئبق، والتي أعلنتها في دراسة متخصصة حول الموضوع، ثلاث عينات لشعر بشري، وواحدة لأحمر الشفاه، وأخرى لمستحضر تجميل ستاتي، وأربع عينات أسماك مجمدة وطازجة، وثلاث علب سمك تونا معلبة، وتمثل هذه العينات المواد الأكثر استخداما من قبل الأردنيين.
وقال رئيس المنظمة زياد العلاونة لـ"الغد" إن العينة التي تم جمعها ومعالجتها صغيرة، "ما يستوجب مستقبلا جمع عينة أوسع، وشمول كافة الأنواع من المستحضرات الطبية والصيدلانية والتجميلية والأسماك بأشكالها وانواعها وأسمائها التجارية"، والبلدان التي يتم استيراد هذه المواد منها، وأن تشمل عينات المواد الغذائية الطازج منها والمعلب والمجمد.
والزئبق سم عصبي يتراكم في السلسلة الغذائية، ويمكنه على المدى الطويل تدمير الجهاز العصبي المركزي، وينتج عن ذلك اختلال في وظائف الجسم الأخرى كالمخ والحبل الشوكي والكلى والكبد.
ويرتبط تسمم الزئبق باضطرابات قصور الانتباه لدى الأطفال، وهو عنصر خطير خصوصا في مرحلة نمو الأجنة والأطفال الصغار، فيما يرجح علماء وجود علاقة بين التلوث بالزئبق وإصابة الأطفال بمرض التوحد، ويجرون دراساتهم للتأكد من وجود هذه العلاقة.
بدوره، أكد مصدر مطلع في وزارة البيئة أن الوزارة "تتخلص من النفايات التي تحتوي على زئبق عن طريق مكب النفايات الخطرة في منطقة سواقة بجنوب عمان"، والمخصص للنفايات ذات السمية العالية وسريعة الاشتعال.
وأشار إلى أن كمية النفايات الصناعية "تصل إلى 23 ألف طن سنويا، لكن لا توجد بيانات تتعلق بحجم الزئبق المتولد عن نفايات المملكة".
وتسعى الوزارة، بحسب المصدر، إلى التقليل من إنتاج النفايات الخطرة لـ"الحد من تأثيرها على البيئة باستخدام المواد قليلة السمية والمعاد تدويرها في عمليات الإنتاج، والخامات الأولية، واستخدام أفضل التكنولوجيا المتوافرة، ومنع طرح النفايات الخطرة المنزلية في مكب النفايات الصلبة".
كما تحرص على التعامل مع النفايات الخاصة (الإلكترونية ومخلفات معاصر الزيتون والإطارات التالفة وغيرها) "بمعزل عن النفايات المنزلية ومعالجتها بالطرق المناسبة".
واعتبر المصدر أن "هناك ممارسات خاطئة لتداول النفايات الصناعية، منها ضعف الفحوصات وتصنيف النفايات وطمرها"، كأنها صلبة منزلية من دون معالجة، وعمليات الحرق غير الكافي لها، بحيث لا تتم معالجة الغازات الناتجة عنها.
على أن العلاونة طالب الحكومة بإجراء دراسة شاملة على المستوى الوطني للوقوف على واقع الزئبق وتواجده ومخزونه، تمهيدا للالتزام ببنود اتفاقية "المينامتا"، مشددا على اتخاذ الإجراءات اللازمة "لوقف استخدام الزئبق في حشوات الأسنان وإيجاد البدائل، والتوقف أيضا عن استخدام المطاعيم المحتوية على الزئبق كمادة حافظة".
وفيما لفت إلى "أهمية توحيد الجهد الوطني المؤسسي المتمثل بالتشريعات الخاصة بالزئبق، ومؤسسات المتابعة"، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف استخدام المبيدات المحتوية على الزئبق، أشار العلاونة إلى ضرورة تشجيع "انخراط القطاع الخاص في إقامة وحدات معالجة المعدات والأجهزة المحتوية على المواد والنفايات الخطرة ومنها الزئبق".
وحث على إطلاق حملة وطنية للتعريف بالزئبق ومخاطره على الصحة، وبنود "اتفاقية ميناماتا" وما يترتب على الأردن من التزامات "هي بالضرورة التزامات فردية ومؤسسية ووطنية".
واتفاقية "المينامتا" التي تم إطلاقها في العام 2014 ووقع عليها الأردن في حينه، تعترف بأن استخدام الزئبق في مناجم الذهب الصغيرة والحرفية "هو واحد من أكبر مصادر التلوث في الغلاف الجوي في العالم اليوم".
وتشمل الاتفاقية أحكاما لتقييم وتقليل استخدام الزئبق في مناجم الذهب الصغيرة والحرفية، لكنها تشير أيضا إلى أن إطلاقات التلوث بالزئبق من قطاع الوقود الأحفوري تشكل مصدرا إضافيا ورئيسيا للزئبق.
وتتطرق الاتفاقية إلى الزئبق المتأتي من النفايات، ومن عمليات التعدين والعمليات الصناعية، والمنتجات المضاف إليها الزئبق عند التخلص في مكبات النفايات ومرمداتها.
ووفق دراسة "منظمة الأرض"، فإن جميع البشر يتعرضون لمستويات منخفضة من الزئبق، "لكن هناك عوامل تلعب دورا في شدة التأثر والتأثير" مثل الشكل الكيميائي، والجرعة، والعمر، ومرحلة نمو الشخص (الأجنة هم الأكثر عرضة)، ومدة التعرض وطريقة التعرض (الاستنشاق، الابتلاع، ملامسة الجلد)، لكنها تشير بأهمية إلى "المجتمعات التي تتعرض مباشرة للزئبق من خلال عملها أو من خلال الصناعة المحلية، باعتبارهم عرضة للخطر".
وتسوق الدراسة أمثلة على الأكثر حساسية واستعدادا للتأثر بميثيل الزئبق ومصدره الغذاء، مشيرة إلى ان
الأجنة وحديثي الولادة والأطفال الصغار لديهم استعداد كبير للتأثر بمستويات عالية نظرا لحساسيتهم وحساسية جهازهم العصبي الذي هو في طور النمو.
ورغم أنها صنفت مرضى الكبد والكلى والأعصاب والرئتين باعتبارهم الأكثر معاناة من تأثيرات التسمم بالزئبق، إلا أن هناك شرائح أخرى أشّرت الدراسة إلى أنها قد تكون معرضة أكثر لخطر التسمم الزئبقي، "وهذه الشرائح هي صيادو الأسماك خاصة الصيد الترفيهي، والمجتمعات التي تميل إلى تناوك الاسماك والمأكولات البحرية الأخرى بصورة منتظمة".
ومن الآثار الصحية والأعراض الأولية للتسمم بميثيل الزئبق على البالغين، اوردت الدراسة، أشارت الدراسة إلى "تشوش الحس مثل (الإحساس بالخدر او التنميل او الحكة من غير سبب ظاهر، والشعور بالضيق، وعدم وضوح الرؤية)، والغثيان وفقدان الشهية والوزن، وألم في البطن، والإسهال، وحروق وتهيج في الجلد، وتورم اللثة وتقرح الفم وسيلان اللعاب".
ومع زيادة التعرض للتسمم، كما تقول الدراسة، يظهر المزيد من الأعراض الحادة مثل "التنميل والخدر في الشفتين والفم واللسان واليدين والقدمين، والرعشة وعدم التناسق وفقدان السمع والذاكرة وتغير الشخصية وضيق في التنفس والفشل الكلوي".
ويؤدي التعرض الحاد للزئبق العنصري النقي عن طريق استنشاق أبخرته إلى ألم في الأطراف أو ما يسمى "المرض الوردي" حيث تظهر راحتا الكف وأصابع وباطن القدمين وردية زاهية متقشرة وبتعرق مفرط، وحكة وطفح جلدي وآلام في المفاصل وضعف وارتفاع ضغط الدم وخفقان في القلب.
ويصل ميثيل الزئبق CH3Hg بسهولة إلى المشيمة من الأم إلى جنينها وإلى حاجز الدم في الدماغ، ويسبب ذلك كما تقول الدراسة، بـ "عاهات عقلية وصعوبات في التعلم وشلل دماغي وصرع وتشنج وارتعاش وعدم تناسق إضافة إلى تلف في العين والسمع في الجنين، كما يصل إلى حليب الأم ويعرض الطفل حديث الولادة لمزيد من مصادر التسمم".
وعلى الرغم مما تشير إليه الدراسات العالمية من تأثيرات الزئبق على صحة الإنسان، لكن مديرية الأمراض غير السارية في وزارة الصحة لم ترصد أي أمراض ناتجة مباشرة عنه، وفق بيانات صادرة عنها سابقا.
وتتبع الوزارة منذ العام 2009 الإجراءات الواردة في وثيقة السياسة العامة لمنظمة الصحة العالمية المتعلقة بمخاطر استخدام الزئبق في الرعاية الصحية، عبر مبادرة عنوانها وهدفها "رعاية صحية خالية من المخاطر الصحية للزئبق"، لتنفذ على المدى القريب والمتوسط والبعيد، بهدف منع استخدام الأجهزة المحتوية على الزئبق في مؤسسات الرعاية الصحية وتعزيز استخدام البدائل المتاحة.
وبرغم أن الوزارة، لم تضبط مخالفين بالتعامل غير الآمن والسليم مع النفايات المحتوية على الزئبق، إلا أنه وفق قانون الصحة العامة يعاقب المخالف بالحبس مدة لا تقل عن 4 أشهر ولا تزيد على 3 سنوات أو بغرامة لا تقل عن 5000 دينار ولا تزيد على 10 آلاف دينار، أو بكلتا العقوبتين، كما يتيح القانون للمحكمة إغلاق المحل المتسبب بإحداث مكرهة صحية إلى حين إزالتها.
لكن المشكلة أن هناك منتجات عديدة نتعامل معها يوميا، يدخل الزئبق في تكوينها كمصابيح الإنارة والبطاريات وموازين الحرارة، وبعض المستحضرات التجميلية، ولا توجد آلية محددة للتخلص الآمن من هذه المنتجات عقب استعمالها، ما يزيد من المخاطر على البيئة وصحة الإنسان.
ويدخل الزئبق إلى البيئة بطرق مختلفة، فبعضه يدخل نتيجة لبعض الظواهر الطبيعية كالثورات البركانية والانشطة الحرارية للأرض وآثار تعرية الصخور المحتوية على الزئبق، وفق الدراسة.
وتقول الدراسة إن استخدام الزئبق يتم على نطاق واسع في العديد من المنتجات والعمليات الصناعية بمرور السنين، لكن معظمه يستخدم حاليا في العمليات الصناعية التي تنتج الكلور (مصانع زئبق الكلور القلوي) أو كلوريد الفينول غير المتبلمر (الخاص بإنتاج الكلوريد متعدد الفينيل واللدائن متعددة اليوريثين).
كما يستعمل في المنتجات مثل المفاتيح الكهربائية بما في ذلك الثريموستات والمرحلات ومعدات القياس والتحكم ومصابيح الاضاءة الفلورية ذات الكفاءة والبطاريات وفي حشوة الأسنان.

الغد