المصري: حذرنا منذ فترة طويلة من الوضع الراهـن في فلسطين
جفرا نيوز -
قال رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري، إننا حذرنا منذ فترة طويلة من الوضع القائم الآن في فلسطين؛ لأننا كنا نراه قادما كون المشروع الصهيوني يسير بخطى وبمراحل معروفة ومعلنة.
وأوضح في حوار مع أسرة «الدستور» أداره الزميل محمد حسن التل رئيس التحرير المسؤول في منتدى «الدستور» للفكر والحوار، ان اسرائيل بدأت بمشروعها في القدس منذ العام 1967، والآن إذا نظرنا إلى القدس فنجد أنها أصبحت مخترقة بكل أماكنها، فهذا أمر كنا نعلمه، وقد كتبت مقالا في إحدى الصحف في شهر كانون الأول من العام الماضي، حول يهودية الدولة ماذا تعني للأردن، وتحدثت عن النوايا الإسرائيلية، وقلت، إن هذا أمر قادم على الفلسطينيين لكننا -أيضاً- متأثرون به مباشرة، فوضعت من خلال هذا المقال النقاط على الحروف منذ ذلك الوقت، والآن إسرائيل ستستمر، ونتنياهو سيستمر في موضوع التهويد، وموضوع الاستيلاء على الحرم، وماذا يعني الهيكل بالنسبة للإسرائيليين، فهذا الأمر يسير واليهود جميعهم متفقون عليه، ويهودية الدولة جزء من المشروع الذي يتم الحديث عنه وهو بناء الهيكل. المقدسيون وحدهم مرابطون، وبعضهم الآن مدعوم من الأوقاف الأردنية ويساعدونهم في الصمود والمال حتى يعيشوا، ونتنياهو أرسل رسالة منذ ثلاثة أسابيع للأردن وقال، إن الأردن سبب هذه المشاكل، لأن من يحمي ويهاجم المستوطنين هم الحراس الأردنيين والمرابطين في الأقصى المدعومين من الأردن، لكن الأمر سوف يستمر.
الانتفاضة الثالثة
وحول فيما اذا كنا نعيش انتفاضة ثالثة، قال المصري: إن هناك خلافا حول ما اذا ستكون انتفاضة أم لا، العاطفة والشعور الشعبي يقول نعم، فاسرائيل لا تفهم إلا ذلك، والذين هم أكثر اعتدالاً وأكثر عقلانية أو لهم مآرب أخرى يقولون، إن الانتفاضة الثالثة سوف تدمر كل ما تم إنجازه في السنوات السابقة من حكم ومؤسسات وبناء فلسطيني، ولن يفزع أحد للفلسطينيين لا غربا ولا شرقا ولا عربا ولا إسلاما، وبالتالي سوف يقضى على الانتفاضة ولن نستفيد أي شيء من الموضوع.
اذن هناك من يقول، إن الانتفاضة الثانية لو بقيت سلمية لكانت نتائجها افضل، فأبو عمار عندما حولها إلى مواجهة مسلحة خسرت الانتفاضة أو سرقت نتائجها، والانتفاضة الأولى سرقت نتائجها وآثارها والانتفاضة الثانية نفس الشيء، فهناك من يتعظون مما حصل في الانتفاضتين ولا يريدون أن يحصل نفس الأمر.
أبو مازن لا يريد انتفاضة، ولا يريد عنفا، وقبل أيام تحدثت معه وقال: انهم ما زالوا يمسكون الأمور أمنياً، وأبو مازن عليه ضغط من فئات فلسطينية كثيرة بأن يذهب لزيارة غزة، ويحل المشكلة ، ومن الممكن أن يتجاوب لكن الأمر بحاجة إلى ترتيبات.
وحول الخطاب الاعلامي في تغطيته للحدث قال، انه موجود ليس في الأردن فقط، بل تقوم به محطات عربية تغطي بشكل واسع وبإذن الله محطة التلفزيون الجديدة سوف تغطي الخطاب الإعلامي.
وقال، أعتقد بأنه من الواضح أن كل هذه التداعيات التي نراها في المنطقة أساسها الموضوع الفلسطيني، والقضية الفلسطينية تفرعت كثيراً، والذين يدعون الإسلام لم يذكروا إسرائيل ولم يذكروا فلسطين ولم يطلقوا طلقة واحدة على يهودي أو إسرائيلي.
وبين ان الاتفاق الأمريكي الإيراني كانت إسرائيل ضده، وحاولت منعه ولم تستطع، فكان القرار الأميركي لأوباما أقوى من الاعتراض الإسرائيلي، ولذلك إسرائيل ونتنياهو طالبوا بثمن لذلك، والثمن ستدفعه فلسطين، وسوف تطلق، وقد أطلقت، يد إسرائيل إلى حد كبير في الموضوع الفلسطيني، مشيرا الى ان وزير الخارجية الامريكي جون كيري يقول بأنه لن يستطيع قضاء الوقت الذي قضاه خلال السنوات الثلاث السابقة على موضوع التفاوض والقضية الفلسطينية لأنه أهمل كل قضايا أميركا واستطاع أن يسخر وقته لثلاث سنوات للقضية الفلسطينية ولم ينجح في ذلك، فأميركا لديها مشاكل أخرى يريد الاهتمام بها، ونجد أن نتنياهو يعمل على هذا الأساس، لذلك اتوقع بان تزداد المقاومة الفلسطينية، والوحشية الإسرائيلية ستزداد، والعرب سوف يتفرجون والسلطة الوطنية ستكون في مأزق شديد، وتداعيات التهويد سوف نتأثر نحن بها، لأنني أعتقد أن مشروع يهودية الدولة والاستيلاء على القدس نحن بحكم الطبيعة وبحكم الجوار وبحكم السياسة الأردنية سوف نكون متأثرين بهذا الأمر من نواح متعددة، الأولى هي الشارع الأردني كاملاً سيكون محبطاً وغاضباً جداً مما يجري في فلسطين من دون القدرة على مساعدتهم، وثانياً احتمالات ما سيأتي بعد التطرف الإسرائيلي سوف ينعكس على الأردن في نواح متعددة أهمها موضوع أن يبدأ الناس بالتفكير ببدائل أخرى نتيجة الضغط الكبير عليهم ومنها إيجاد مسكن آخر لهم في العالم.
وحول ان كان متشائما او متشائلا مما يحدث على الارض الفلسطينية، قال المصري، أنا متأكد أن هناك جيلا جديدا من الفلسطينيين، لكنه بحاجة الى ظهير، فهو يصطدم بقوى الشر والإهمال . فأهل الضفة متمسكون ويثبتون كل يوم تمسكهم بارضهم، لكن في النتيجة الفلسطيني في الضفة سيجد نفسه وحيدا، وإذا لم يجدوا المساعدة والتفهم والدعم فسيحبطون أكثر، ويشعرون أنهم يدفعون الثمن، فالقدس ليست للفلسطينيين ولا لأهل القدس، ولا لأهل الخليل، فالقدس للعرب والمسلمين، وأعتقد أن هذه الأمور ستستمر.
أبو مازن يرفض أن يكون هناك احتجاج واحد، وقوات الأمن تقمع كل شيء في فلسطين، فحسب وجهة نظرهم يريدون اثبات أنهم مسالمون ويحاربون بالمنطق وبالسلم، لكن في النهاية أهل فلسطين بحاجة إلى ظهير ودعم وإسناد، نحن نقدم ما نستطيع لكن المطلوب أكثر، مشيرا الى ان إسرائيل تأخذ خطوات صغيرة في القدس وغير القدس، وفي كل مرة خطوة صغيرة لا نشعر بها الى أن وصل الموضوع إلى استيلاء كامل على القدس.
مطلوب منا أن نحتاط مما سيحدث وأن نكون في الصورة؛ لأن موضوع الحقيقة يجب أن نناقشها من كل جهاتها.
وقال، اننا لا نرى اي تحرك عربي او اسلامي ولم يدعو احد إلى مؤتمر قمة، فالمنظومة العربية انتهت، ولا يوجد قمة عربية، ولا مؤتمر إسلامي، ولا لجنة القدس، ولم يصدر أحد بيان إلا من يتعامل مع الموضوع كالأردن والفلسطينيين أنفسهم، فلا يوجد أحد يتحدث في الموضوع إلا الملك عبدالله الثاني، فهناك تقصير شديد وإذا كان هناك نغمة تشاؤم فبسبب هذه الأوضاع العربية والإسلامية.
النووي الإيراني ودخول روسيا
على الساحة السورية
ونفى المصري وجود محور امريكي اسرائيلي ايراني، وقال هناك تكتل ما أو مصلحة ما وبجانبها مصلحة أخرى ولا أسميه محورا،، وليس بالضرورة على اتفاق كامل، فإذا نظرنا إلى خلفية العلاقات الإيرانية الأمريكية، نجد بأن أوباما في الفترة الثانية من رئاسته درس موضوع التدخل الأمريكي في كل أنحاء العالم، ووجد بأن كلا محاولاتهم فشلت،سواء في فيتنام اوأفغانستان اوالعراق، واصبحت هناك ضرورة لتغيير سياساتهم في منطقة الخليج مثلاً، لكن المشكلة أن هناك إيران، وهي بالنسبة للأميركان دولة، وأمة، لها تاريخ وإرث وشعب وديمقراطية.وموضوع النفط بالنسبة لأميركا لم يعد مهماً كما كان في الماضي، لأن لديها اكتفاء ذاتيا، ورأوا ان سبب خلافهم مع إيران كان على الملف النووي، وجلس الغرب كله مع ايلران في فينا لمدة عامين، ووضع أوباما كل ثقله في الكونغرس والعالم وأغضب ذلك الخليجيين ، إسرائيل لذلك ليست مرتاحة، ولكن يجب أن لا ندعي بأن هناك محورا أميركيا إسرائيليا إيرانيا، بل هناك أميركي إسرائيلي وأميركي إيراني.
واشار الى ان الاتفاق الأميركي الإيراني سيجعل إيران تعيد النظر وتخفف من بعض التشددات وتنجح الاتفاق، لأن هذا من مصلحتها، فكل هذا اللعب الإقليمي والسياسي مستمر وعلى حساب العرب، لأن هناك خطابا إيرانيا واضحا، وهناك خطاب سياسي تركي واضح، وهناك أهداف وخطاب إسرائيلي واضح، والقوة الرابعة في المنطقة هي العرب وهي الوحيدة التي ليس لديها قرار مركزي ولا استراتيجية وليس واضحا ما الذي تريده . وأعتقد أن إيران في الموضوع السوري تراجعت خطوة للوراء في مظهرها وذلك مراعاة للاتفاق، فجاءت روسيا لأسباب وأخرى ودخلت على الخط وأصبحت صاحبة القرار في سوريا وليست إيران، فالتعقيدات التي كنا نراها في الساحة جميعها مرتبطة ببعضها البعض بهذا الشكل، ومن الظلم والمبالغة أن نقول، إنه محور إيراني أميركي إسرائيلي.
الهوية الاردنية
واوضح المصري ان ضغط اسرائيل على اهل فلسطين ووضعهم تحت ظروف معيشية صعبة لتحقق ما تريد لا يعني ترانسفيرا ولا هجرة، فهذه محاولات في ذهن إسرائيل، ففي عام 1948 حدثت هجرة وكان لها آثار، والآن إسرائيل تسعى للضفة الغربية كلها، وأصبح واضحاً أنها قتلت موضوع حل الدولتين والدولة الثنائية، ولا تعمل إلا على أساس حكم ذاتي ربما يكون واسع النطاق، لكن ليس هناك استقلال ولا دولة، وطبعا هذا بتفكيرهم. الآن وبعد كل الأحداث التي تمت والضغط الذي رأيناه، وإذا عدنا إلى سجلات الجسر فسنجد بأنه لا يوجد هجرة ولا تحرك، فالأمور طبيعية،وأنا عندما تحدثت عن هذا الموضوع كان اشارة الى ماذا يفكرون، اذن لديهم خطة يتحدثون عنها ويجب علينا أن نحتاط ونعترف بأن هناك خطة ثم نقاومها أو نضع المقاوم لها حتى لا يحققوا أهدافهم، لان هذا أمر سوف ينعكس علينا داخلياً.
واكد اننا كأردن وأردنيين، لا خوف على الهوية ألاردنية ويجب الاعتراف بها، وأنا علناً أقول، إن هويتي أردنية، وقلت قبل أيام في مناسبة علنية بأن الحنين لمسقط الرأس أمر طبيعي فلا يوجد لدينا مشكلة في الهوية، وموضوع الهوية له خصوصية، نحن حوالي 44% من اللاجئين الفلسطينيين المسجلين في الأونروا يعيشون على الأرض الأردنية، وأقل من ذلك بـ2-3% يعيشون على الأرض الفلسطينية، إذاً يوجد في الأردن لاجئون نسبتهم أعلى من أي مكان آخر، ويجب أن ننجح بأن يكون هؤلاء مواطنين ويشعرون بهويتهم الأردنية ونتعامل معهم كأردنيين ولكن أيضاً لا نريد أن ينسوا حق العودة ومطالبتهم بالعودة إلى فلسطين، ومع انه لا أحد يعلم متى سيتم ذلك، لكن المبدأ يجب أن يبقى، فموضوع المطالبة بعودة فلسطين أو تحرير فلسطين أو عودة اللاجئين يجب أن يبقى حياً، وأعرف بأنه قد يكون هناك خيط رفيع جداً بين هذا وذاك لكن هذا هو الأمر وهذه هي الحقيقة، ويجب أن نحافظ على المعادلة كما هي بقدر الإمكان.
وبموضوع الهوية ايضا، أعتقد أن كل من هو أردني هويته أردنية، مهما كانت له من مشاعر أو دوافع أخرى، وهذا الأمر يزداد وضوحاً، ففي مناسبات كثيرة يكون المخيم حريصا على الهدوء والنظام وأمن الدولة بشكل أوضح كثيراً من السابق وهو بتطور مستمر .
واضاف، فيما يتعلق بالهوية الأردنية ان هناك معادلة دقيقة جداً وخيطا رفيعا يجب أن نبقيه ولا نخترقه، حتى نحقق وجود الهوية الأردنية وترسيخها لكن أن نحفظ حق الفلسطينيين فيما قد يأتي.
قانون الانتخاب
وبالنسبة لقانون الانتخاب، اوضح المصري انه إذا تم تعديل القانون بتعديلات معينة وأصبحت هناك نية حقيقية لإفراز مجلس نواب قوي ودون تدخل، فستكون بداية الطريق، وطبعا لن نرى ذلك يتطور دفعة واحدة، لأنه مضى علينا أكثر من عشرين سنة ونحن نعيش موضوع الصوت الواحد.لا بد من بداية حسنة حتى نستطيع أن نخلق ذلك البرلمان الجيد، لكنّ ثمة نقطتين أساسيتين، أعتقد أنه يجب ان تكون الأجواء في البلد ولدى الناس مريحة حتى تستطيع أن تفرز، ولا نريد إقصاءات معينة أو خوفا من جهة ما، فموضوع الإسلاميين يجب أن نتعامل معه بطريقة موضوعية وطنية، حتى نستطيع أن نجعل المجتمع كاملا يشارك ويسهم كما حصل في انتخابات 1989، وأعتقد أن هذا أمر مهم، لأن الوضع الإقليمي خطير جداً، والتعقيدات خطيرة، ولا نستطيع أن نبقى في دوائر مغلقة ونحن نرى كل التحولات التي تحدث حولنا، لا بد إلا أن يعرف المواطن أين يذهب وما هي سياسة بلده وما الاحتمالات التي تتم، هناك شعور بالضياع أين نحن ذاهبون، وما موقفنا من قضايا معينة، فهذه الأجواء هي التي تحفز النخب، لكن أعتقد أنه وفي ظل مشروع القانون الجديد فعديد من النخب ستحاول الدخول للانتخابات.
وفيما يتعلق بلجنة الحوار الوطني، لقد قدمنا وثيقة وليس قانون انتخاب فقط، وهي مثل البناء يجب أن تكون هناك حزمة حتى نصل إلى توافق في كل الأمور، وليس فقط في قانون الانتخاب بل بكل المبادئ، كان يجب أن يكون بناؤها متكاملا، ووضعنا وثيقة تبدأ بالديباجة وتتحدث عن مبادئ الإصلاح وغرضه وأسسه، ثم أتينا إلى مواضيع أخرى منها قانون الانتخاب، لكن وضعنا موضوع التعديلات الدستورية وقمنا بتقديمها بالاسم وبالمادة، وموضوع الهيئة المستقلة كان اقتراحنا، والمحكمة الدستورية كذلك، لكن أعتقد لم يتم التعامل بها بنفس المعنى وبنفس الهدف منها.
واكد المصري بانه يجب تعديل قانون الانتخاب قليلا، ومع ذلك فهو خطوة صحيحة باتجاه إلغاء الصوت الواحد.
وفيما يتعلق بلجنة الحوار الوطني قال ان من عطلها ليس جهة واحدة، بل فيها آراء وأفكار قد تكون سابقة لوقتها في ذلك الوقت، لكن هناك أكثر من جهة لم يعجبها عدد من الأمور، فاتفقت مجموعة على وضعها على الرف، وكان ما كان.
وحول ان كان ينوي الترشح في الانتخابات المقبلة، قال انه ليس لديه اجابة الان ولكن هناك تواصل فكري وعاطفي وسياسي .
الدور الروسي
وفيما يتعلق بالدور الروسي قال المصري، إن روسيا أصبحت لاعبا مهما في المنطقة وفي سوريا بالذات. الناس تعتقد بأن روسيا تسعى لقاعدة أو قاعدتين بحريتين، لكنني أعتقد أن موضوع روسيا أعمق من ذلك بكثير، فالروس شعروا بالإهانة والإذلال خلال فترة يلتسن، وهي الفترة الانتقالية، وروسيا دولة قيصرية لها مجد وعظمة، فبدأ الروس يحتجون ويطالبون بالتغيير، وكان أمامهم ثلاثة احتمالات، إما أن يتحالفوا مع نصفهم الآسيوي، أو يتحالفوا مع نصفهم الأوروبي «الاتحاد الأوروبي»، أو يعيدوا بناء روسيا القيصرية، فجاء بوتين مع جماعته وقرروا إعادة بناء روسيا العظيمة، فبدأوا يعملون وساروا بشكل جيد، لكن هذا لا يكفي في المنطق العالمي الحديث، فتحتاج روسيا إلى وضع دولي، اي مساحة دولية، فانتهزوا فرصة ما حصل في ليبيا ودخلوا هناك بقوة، لكن الأوروبيين لعبوا عليهم وأخرجوهم خارج اللعبة، فازدادت القيادة الروسية غضباً وقررت أن لا يتكرر هذا الأمر. جاءت سوريا ودخلوا عليها، والسبب أن روسيا لها علاقات طبيعية مع سوريا من قديم الزمان، فدخلوا هناك وأخذوا هذا الموقف الواضح تماماً، وأنا شخصياً أعتقد أن روسيا لها مصداقية الآن، وحفظ وحدة الأراضي السورية محتملة بوجود الروس والدعم الروسي يجعلها أكثر احتمالاً أن تبقى موحدة من أي قوى أخرى، فأثق بأن وحدة الأراضي السورية ستحافظ عليها مع الروس أكثر من أي جهة أخرى، وهذا أمر أصبح طبيعياً باعتقادي.
الآن هناك مجموعة عربية منها عمرو موسى وإياد علاوي وأنا معهم والأمير تركي الفيصل، لدينا مجلس الشؤون العربية والدولية، ذهبنا منذ عامين إلى روسيا، لكي نستعجل روسيا باتخاذ قرار بالتعامل مع القضية السورية بسرعة لأن التطرف الديني سيصلهم، حيث التقينا بلافروف والذي قال، إن روسيا ستتعامل وتدافع عن سوريا كأنها أرض روسية، ولكن روسيا خصوصاً في الوقت الحالي تريد تقوية أو الإبقاء على نظام الأسد، وجاءت بكل هذه الأسلحة وضرب القواعد بعنف من أجل إخلاء الساحة لتتخصص بتنظيم داعش وتتعامل معه بوقت لاحق، لكن تحليلي الآن أنهم أتوا بهذه الأسلحة الحديثة والتي سيقومون بسحب بعض منها، لكن البعض الآخر سيبقى لتقوية الجيش السوري. روسيا تقوم بعكس ما قامت به أميركا في العراق، حيث قامت أميركا بحل الجيش العراقي لكن روسيا الآن تريد تقوية الجيش من أجل ان يبقى الأسد في الفترة الانتقالية نظرياً أو بدون سلطات والنظام يكون موجودا في الجيش، لأن الجيش هو عماد البلد ومن يستطيع السيطرة على البلد، فلذلك ستعود الأسلحة وسيعود الدعم العسكري لتقوية الجيش والقرار بالنسبة للأسد سيأتي في وقت لاحق، فهذا هو تحليلي وهذه هي الصورة التي تتبلور. وبالنسبة للامريكيين فهم متذبذبون وليس لديهم قرار، ولا نعلم ماذا سيفعلون، لكن الروس أصبح واضحاً ما الذي سيقومون به.
بالنسبة للتقارب الاردني الروسي فمنذ البداية علاقتنا ممتازة، ونحن نمسك خيوطاً كثيرة حتى التوازنات الموجودة، فالأردن يحافظ على توازناته مع كل الأطراف، مشكلتنا في الأردن كأننا في وسط النهر، فوضعنا حساس جداً، ويجب أن نبقي التوازنات بقدر الإمكان، أنا لست متأكداً ولكن أعتقد أن جلالة الملك بزيارته الأخيرة لا بد أنه بحث مع الروس في هذا الأمر حول الدور الروسي.
واوضح بالنسبة للموضوع السوري انه يبدو أن هناك فكرة تخرج على السطح تتمثل في ان ترتيب المرحلة الانتقالية ستكون على غرار نظام الحكم العراقي، أي يكون رئيس الجمهورية مثلاً «علويا» وليس لديه صلاحيات، ورئيس الوزراء هو الحاكم ويكون مثلاً «سنيا» وهكذا، فربما يطبق هذا الموضوع، وسيواكبه دستور جديد، فهذا ما هو ظاهر.
بالنسبة للانعكاسات على فلسطين، في الوقت الحاضر سيكون محدودا على القضية الفلسطينية، ولكن أعتقد انه ضمن الترتيب الذي يتم بعد الانتهاء من كل هذه التعقيدات، سيبحث موضوع الجولان، وليس مستغربا بعد أن تتم التسويات والدستور ..الخ في سوريا أن نسمع مفاوضات سورية حول الجولان، وإذا حصل في سوريا فسيحصل في لبنان بنفس الوقت، فالحل السوري في المنطقة قد يواكبه حل بالجولان، لكن ليس موازياً له.
وبالعودة الى موضوع التفاؤل المتعلق بالدور الروسي قال المصري، انه أفضل من التفاؤل من الموقف الأمريكي، لأن الموقف الأميركي أولاً ليس ثابتاً، وثانياً أتذكر بعد احتلال الكويت، حيث قال الملك الحسين رحمه الله للعرب بأن يعطوه فترة قصيرة حتى نستطيع حل الموضوع بيننا كعرب وألا يدخل الأمريكان علينا، فأميركا كان لها قوات قوية في العراق لكن إيران كانت أكثر نفوذاً من الولايات المتحدة في العراق، فالأخطاء الأمريكية هي التي تورطنا، وقد كتبت تصريحا منذ فترة بأن أميركا تورطنا والنتائج تعود علينا، وأخبرت الأوروبيين بأنهم أيضاً يدفعون الثمن كما ندفع الثمن نحن، بموضوع المهاجرين غير الشرعيين، وأعتقد أن الروس أكثر مصداقية في هذا الموضوع.
واعتقد المصري أن وحدة الأراضي السورية ممكن الحفاظ عليها من الروس أكثر من الآخرين، لأن أمامنا العراق وكيف يتم تقسيمه، وأمامنا الموضوع الكردي وكم يؤثر على تركيا وعلى العراق وعلى سوريا، والاحتمالات موجودة، لكن الروس أفضل جهة إقليمية ممكن ان تحافظ على وحدة الاراضي السورية ونامل فيهم أكثر من غيرهم، فالتفاؤل من ناحية أنهم أفضل الموجود، وليس أنهم الحامي والمدافع.
والسؤال المطروح هل ستترك أميركا المشهد للروس؟ لا أعتقد ذلك، فيجوز أن يعارضوا، لكن الروس وضعوا قوتهم وقاموا بعمل ما يريدون، ففي موضوع شبه جزيرة القرم وفي موضوع أوكرانيا كان لهم جهود هناك، والآن بوتين يضع كل جهده في الموضوع السوري، أميركا أتصور أن هناك اتفاقا تحت الطاولة بأنهم لا يريدون التعرض للروس كثيراً في هذا الموضوع، لكن لا يوجد شك بأنه سيكون هناك تعقيدات، فهناك تركيا والأكراد، وبالنسبة للسعودية لا أعتقد أن هناك تقاربا أساسيا بينها وبين سوريا، فجملة التعقيدات الموجودة في المنطقة وفي سوريا موجودة، لذلك توقعاتنا وتحليلاتنا قد يثبت خطؤها بعد أن نخرج من هذا الباب، فمن الممكن أن يحصل حدث معين يغير كل الأمور، وأنا أعتقد على الأقل ان قناعتي بمصداقية الروس تجعلني أفكر إيجابياً في هذا الموضوع، وإذا افترضنا بأن الأردن من تحت الطاولة يضحك باستحياء أو يبتسم للمشاركة الروسية باستحياء معنى ذلك أن تفاؤلنا صحيح.
الوضع الداخلي
بالنسبة للموضوع الداخلي، فهذا الموضوع بالنسبة لي، أهم شيء هو تماسك المجتمع الأردني، فقد كتبت مقالا قبل أيام تحدثت به عن الوضع الداخلي ومعظم الناس اتفقت معي، وبعض المسؤولين أو الشخصيات إما أنهم لا يشعرون بنبض الشارع أو بسبب مصالح معينة غير متفقين معي في ذلك وخصوصاً عن الجياع، لكن أقول، إن الفقر المدقع هو جوع، والعادات الأردنية نحن معروفون بتسامحنا وبخصالنا، لكن نجد بأن هذه العادات تغيرت فمنها العنف وعمليات النصب والمخدرات، الديمغرافيا كذلك تغبرت في البلد، فكل هذه تغييرات مهمة، ولا أدري إن كنا نستطيع فعل شيء بشأنها، لكن لا يجوز أن يبقى التعامل مع هذه الأمور المفصلية في حياتنا بشكل عادي وطبيعي، فمن المفروض أن نهتم كدولة وكحكومة بهذا الموضوع ونبدأ بإعادة دراسة كل شيء، من تعليم وصحة وضرائب وتمثيل سياسي ..الخ، فهذه بحاجة إلى خريطة طريق، لذلك أعتقد أن الوضع الداخلي أهم من مخاوفنا من الحدود ومن الوضع الخارجي. وأنا قلت وأقول مرة أخرى، إنني لا أخاف من التطرف خارج الحدود وأن يهجم علينا «داعش»، بل أنا أخاف من الداخل، لأن إرهاب الجوع أخطر من إرهاب السياسة.
الحماية الدولية للفلسطينيين
وحول توفير حماية دولية للشعب الفلسطيني في الظروف الحالية بناءً على طلب القيادة الفلسطينية، واللجوء إلى محكمة الجنايات الدولية قال المصري، ان هذا يضايق إسرائيل، لكن لا أعلم ما هي نتائجها، حيث تتم دراسة موضوع رفع قضية في محكمة لاهاي، أيضاً هناك قرار بموضوع الجدار العنصري، وفي موضوع القضية الفلسطينية والقدس بالذات، وهذا القرار مضى عليه عشر سنوات ولم يتطلع اليه أحد، وعندما كنت سفيرا في فرنسا كنت مندوبا دائما لدى اليونسكو، واشتغلت على وضع القدس على قائمة التراث العالمي حيث لم تكن موجودة هناك، وهذا الأمر كان عام 1981، وفي العام الذي تلاه اشتغلنا كأردن وأنا كنت موجودا لوضعها على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر، لكن لم يتحرك أحد، فيجب عمل شيء بهذا الموضوع.
وبالنسبة للحماية الدولية، أعتقد أنها ممكنة، ويجب أن يتم ذلك، لأنه إذا أعلن أن الأمم المتحدة وافقت على أن فلسطين أرض محتلة، والآن أصبحت عضوا مراقبا، وهي محتلة، فمن الممكن ذلك، وأعتقد أن هذا أحد البدائل الموجودة للسلطة الوطنية، فيجب أن يأتوا بالأمم المتحدة، لكن إسرائيل وأميركا لا يريدان ذلك ولن يقبلا بذلك.
وبالنسبة للحرب على الرئاسة الفلسطينية، هناك خلافات شديدة بينهم، وموضوع انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني أصبح فيه تعقيدات، ولديهم جناح محمد دحلان وحماس ..الخ، لكن عندما دعا أبو مازن للمجلس الوطني الفلسطيني في رام الله بمن يحضر، كما فهمت، حماس غيرت موقفها وقررت الحضور، وجماعة دحلان وافقوا على الحضور، والمنظمات المعارضة وافقت هي الاخرى على الحضور، فأصبح هناك ثلث معطّل، فتم التأجيل لموعد آخر. بالطبع هناك حرب على الرئيس، أما بالنسبة للتداعيات، فالتداعيات خطيرة، ومن الخطأ أن نحملها لموضوع الانتفاضة،فالخلاف داخلي، فهي ضد القدس وضد ما تقوم به إسرائيل بشكل عام، وهناك نقاش بأن على القوى الأمنية ألا تمنع الانتفاضة، لكن ليست داخلة في الاعتبار الحرب على الرئاسة في الوضع الحالي.
وفيما اذا كان متفائلا بزوال الاحتلال الاسرائيلي كما زال «الصليبي» ، اوضح المصري ان الاحتلال الصليبي دام حوالي 200 سنة، والموضوع الفلسطيني أصبح كبيراً، وأخذ مراحل صعبة جداً وحقق امورا ببطء شديد نراها الآن، فالقضية الفلسطينية أصبحت عالمية دولية وفتحت طريقا لها لتكون دولة كباقي الدول وتحصل على الاستقلال. صحيح أن ما بقي من الدولة الفلسطينية حسب حدود الـ67 هو 22% من فلسطين، لكن الفلسطينيين باسم من يمثلهم يقبلون بهذا الأمر ويتفاوضون على أساس الـ67، هناك جهات مقاومة ترفض هذا الكلام وتقول بشيء آخر، لكن أصبح هناك تعديل بأنه حسب المرحلة نقبل بالـ22 % لكن لا نتنازل عن الباقي، بغض النظر عن من هو على صواب ومن على خطأ.
الآن الفلسطينيون لهم كيان معترف به من العالم، ويزداد التعاطف مع القضية الفلسطينية، بنفس الوقت وبسبب ما نراه من انحلال ومن تقسيمات في المنطقة لدول طائفية اثنية ..الخ، إسرائيل تبرز كأنها هي الأقوى وهي التي عملت بالأساس على هذا الوضع، فأعتقد أن كل هذا من عملها، لكن يجب أن نتذكر أن إسرائيل هي الصهيونية العالمية، خلفها شبكة ضخمة جداً من المؤسسات الغربية والمالية والإعلامية والصهيونية، فالتعامل مع دوام إسرائيل سينطلق من هذا الوضع، لذلك إذا أردنا الحديث عن الموضوع الفلسطيني وتحرير فلسطين، فنضع مبادئ بلا شك، لكن يجب أيضاً أن نضع بذهننا بأن إسرائيل ليست إسرائيل الموجودة في فلسطين هي التي نحاربها، بل نحارب إسرائيل التي هي أوسع من ذلك، ويترتب على هذا الأمر أمور كثيرة لا مجال لسردها الآن. هناك نظرية تقول، إن أي قائد عسكري سيكسب المعركة يجب أن يجد نقطة ضعف عدوه ليضربه فيها. فنحن عبر ستين عاماً كنا نحارب إسرائيل في نقطة قوتها وهي القوة العسكرية، والآن يجب أن نفتش على نقطة الضعف ونضربها فيها. هناك من يتحدث عن المقاومة، وهنا من يقول، إن إسرائيل أصبحت ممثلة للقوى الإمبريالية العالمية فيجب تذويبها، لكن ما رأيته في هذه الانتفاضة أن هناك إصرارا من الفلسطينيين على الشهادة بأي سبيل كان.
الدور التركي
وعن الدور التركي في المنطقة اكد المصري انه واضح ومهم جدا لكنّ هناك تشويشا، ففي تركيا الان أزمة داخلية، وهناك انتخابات قادمة، وهناك أكراد يضغطون ويخلطون المعادلة التركية بشكل كبير جداً في البرلمان وعلى الأرض. مسعود البرزاني لديه الآن مشاكل داخلية مع جماعته، لكنه قبل أشهر زار واشنطن وتحدث مع الأمريكان في موضوع القطاع الكردي ومدى إمكانية إعلان استقلالهم أو قبولهم من قبل الأمريكان في هذا الأمر، وكان يلمح ويسال حول المنطقة الكردية في سوريا والتي يتواجد بها حوالي مليوني كردي هل ستضم أم لا، فأصبح هناك نقاش داخلي في هذا الموضوع، مسعود رأيه كان بأنه ليس من مصلحته أن يستقل، وهو لا يريد أن يضم في الوقت الحاضر القطاع الكردي في الأراضي السورية له، لأن علاقته ليست جيدة معهم فلا يريد مشاكل في ذلك، لكن الكرد في تركيا لديهم مشكلة حقيقية معه، فالتعاطف مع الخط التركي تغير لدى الناس قليلاً وليس كما كان سابقاً، لكن سيظهر بعد الانتخابات.
وقال المصري، ذهبنا إلى أردوغان مرتين، وبدأ الإخوة يتحدثون بمجاملات، وأخبروه بأن المسلسلات التركية كسحت المحطات التلفزيونية ومنها حريم السلطان، ورد أردوغان بأن حريم السلطان مسلسل خاطئ ويشوه التاريخ التركي، فسليمان القانوني بقي عامين لم ينزل عن ظهر الحصان وهو يخوض الحروب والفتوحات، فهذا المسلسل كان به تشويه لصورة السلطان سليمان، فمن أول اجتماع معه شعرنا بمدى عثمانيته. والتقينا به مرة ثانية في رمضان، وكان معنا عمرو موسى، ووقتها كان أردوغان رئيساً لوزراء تركيا، فقال له عمرو موسى، إن الإخوان المسلمين خربوا مصر، حينها غضب أردوغان وطلب منه أن يتحدث شخص آخر ، وقال له، إنه من رجال مبارك، وإنهم تحملوا مبارك 30 سنة ولم يتحملوا مرسي سنة واحدة، فمن الواضح عثمانيته وحديته وإخوانيته.
يهودية الدولة
وفيما اذا كان من الممكن ان تكون هناك تسوية شاملة في المنطقة قال المصري، لا اعتقد ذلك، وأنا غير متفائل؛ لأنني أعرف ودرست نوايا إسرائيل، فيهودية الدولة ألغت مشروع حل الدولتين، وتظنّ أنها حصلت على الأرض، والتي هي أرض الميعاد، لكنها تريد أن تستكمل مشروعها بيهودية الدولة.
الدستور