نقاشات «ساخنة» خلف الكواليس حول أولوية الأمن وضغط اللجوء والأمن الناعم والخشن
جفرا نيوز - بسام بدارين
أثار سقوط شهيدين من جهاز الشرطة الأردنية قبل أربعة أيام في اليوم نفسه، خلال مطاردات أمنية «جنائية» نقاشا حيويا وجادا في غرف القرار الأمني والسياسي في البلاد، وسط حالة استياء عامة في الرأي العام، جراء تمكن رجال عصابات وبعض الأشقياء من قتل رجال أمن.
العريف محمد سلايمة سقط في مدينة العقبة خلال مطاردة لعصابة مخدرات والوكيل خالد بن هاني سقط في وسط عمان العاصمة عندما اشتبه وزميل له بأحد المارة فبادر الأخير لإطلاق النار على رجلي أمن، فقتل الأول وأصيب الثاني وهو ملازم في البحث الجنائي إصابة بليغة.
مثل هذه الجرائم نادرة جدا في بلد كالأردن يحترم فيه الناس رجال الأمن بالعادة، لكن الوصول إلى هذا المنحنى من الأداء الجرمي الجنائي الخشن بدأ يثير نقاشا عاصفا في غرف القرار المغلقة، ليس فقط على صعيد الدعوة لمراجعات التشريعات التي تتيح للمجرمين والمطلوبين البقاء لفترة طويلة خارج القضبان، ولكن على صعيد بروتوكولات الاشتباك والصلاحيات الممنوحة لرجل الأمن في الميدان بإطلاق النار وأين ومتى؟
البلاد مع تعيين وزير داخلية جديد ومدير أمن عام جديد، قبل ثلاثة أشهر، بدت بصدد استعادة هيبة القانون بعد فترة من الفلتان والخلل والقصور تم الاعتراف بها علنا، في رسالة شهيرة انتهت بإقصاء وزير الداخلية الأسبق حسين المجالي.
الوزير الجديد سلامة حماد أبلغ «القدس العربي» مباشرة وعدة مرات بأن استعادة هيبة القانون هو الأولوية الأولى للأجهزة الأمنية، وعبر وسائل الإعلام المحلية شدد حماد عدة مرات على إظهار «تكشيرة» الدولة في وجه حالات الاعتداء على القانون قبل ان تبرز عدة إشكالات مهنية وفنية في السياق تطلبت الكثير من الاجتماعات والعمل لمعالجة مظاهر الخلل والقصور.
حماد وعد بالضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه الاعتداء على القانون، ومقتل شرطيين خلال أداء الواجب الرسمي ومطاردات لمطلوبين جنائيين أثار انزعاجا عاما وسط المواطنين وتسبب بولادة حملات مكثفة على وسائل الاتصال تطالب بالقصاص من القتلة.
وفقا لنشطاء في المجال الأمني القانوني التشريعات قاصرة، خصوصا في بعض بنود قانون العقوبات التي لا تتيح للقضاة إيقاع عقوبات رادعة جدا بحق مكرري الجرائم الجنائية.
لكن المشكلة التي لا يتحدث عنها أحد حتى الآن، عندما يتعلق الأمر بالملف الأمني، تتمثل في الوضع الديمغرافي المعقد في المملكة وفي وجود أكثر من 20% من عدد سكانها من فئة اللاجئين متعددي الجنسيات، وما يتطلبه ذلك من اعتبارات أمنية في عمق المجتمع.
الوزير حماد وكبار المسؤولين وعلى رأسهم رئيس الوزراء الدكتور عبدالله النسور يسجلون الاعتراف بالعبء الأمني، لكن النخب الأردنية تحاول الإفلات من نقاشات لها علاقة بالجرائم المنظمة الجديدة التي دخلت للمجتمع عبر اللاجئين أو بسببهم ومعهم، خصوصا اللاجئين السوريين.
مدير الأمن الأسبق الجنرال توفيق طوالبة قال أمام «القدس العربي» بأن عدد سكان الأردن الذين تتولاهم أجهزة الأمن والشرطة اليوم يبلغ 12 مليون إنسان نحو 35% منهم من غير الأردنيين، مشيرا إلى أن الأجهزة الأمنية تواجه ضغطا عنيفا.
الواضح ان ميزانية الأجهزة الأمنية كما هي وكادرها لم يشهد تحولات تناسب المستوى السكاني اليوم، وأحد كبار الجنرالات قال لـ «القدس العربي» ان أجهزة الأمن من حيث العدد والعدة تأسست على هيئة تناسـب سـبعة ملايـين إنسـان على الأرجح، مع مليون إضـافي من الأجانب، واليوم عدد الأردنيين يفوق بقليل الملايـين السـبعة، فيـما يوجد خمسـة ملايين أجنبي ما بين زائر ولاجئ ومقيم على الأقل.
بكل الأحوال يكتنف الجدل بعض الترتيبات الأمنية المهنية المتعلقة ببروتوكول الاشتباك وتقييد صلاحيات رجال الأمن في إطلاق النار والرد على الاعتداءات، ويخشى الخبراء حصول أخطاء في حال تحييد مثل هذه القيود، لكن الخبرة الأمنية المتراكمة كفيلة بمعالجة هذه الإشكالية عندما يتعلق الأمر بمطاردات واعتقالات ومداهمات يصفق لها المجتمع ويطالب بها كما يطالب بالقصاص.
الرأي العام، بعد سقوط الشهيدين بني هاني وسلامة، يبدو محتقنا وغاضبا ويطالب بالردع، لكن الإشكالية لا تقف عند حدود تصرفات الأجهزة الأمنية بل تطال مؤسسة التشريع وتعديل قانون العقوبات وتراخي بعض مسؤولي الجهاز العدلي أحيانا، وتطال قبل الجميع السلطة التنفيذية المطالبة بتعزيز إمكانات وموازنة رجال الشرطة وتعزيزالتأهيل والتدريب والفعالية.