التونسيون يضيقون ذرعا بسياسة الأيدي المرتعشة
تطالب القوى السياسية والمدنية بما فيها حزب نداء تونس حكومة الحبيب الصيد بـ"إتخاذ إجراءات وإصلاحات جريئة" لفائدة البلاد بعيدا عن "سياسات الأيادي المرتعشة" بشأن أهم الملفات وفي مقدمتها توفير التنمية خاصة في الجهات الداخلية المحرومة وتوفير الشغل للعاطلين ومكافحة الجماعات الجهادية فيما أقر رئيس الحكومة الحبيب الصيد بـ"وجود ثغرات وإشكال على مستوى الاتصال والتواصل" داخل الائتلاف الحاكم بين إسلاميين وعلمانيين.
يأتي ذلك في وقت تتحدث فيه الأوساط السياسية عن تعديل وزاري مرتقب بعد مضي أكثر من ثمانية أشهر على تشكيل حكومة الصيد للرفع من أدائها في تعاطيها مع مختلف الملفات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية في إطار مشروع إصلاحي وطني كبير من أبرز ملامحه خارطة طريق إستراتيجية تنموية وسياسية تكون كفيلة بإنقاذ تونس من الأزمة التي تتخبط فيها مند انتفاضة يناير/كانون الثاني 2011 التي أطاحت بنظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي.
وقال محسن مرزوق الأمين العام لحزب نداء تونس الذي أسسه الرئيس الحالي الباجي قائد السبسي عام 2012 لمواجهة الإسلاميين أن "الوقت قد حان لتأخذ الحكومة قرارات جريئة لفائدة البلاد بعيدا عن سياسات الأيادي المرتعشة" مشددا على أن "الإجراءات الإصلاحية يجب أن تشمل المسالك الإدارية من أجل تخفيف وطأة البيروقراطية وتشجيع الاستثمار".
وتواجه الحكومة انتقادات لاذعة من المعارضة التي لم تتردد في التشديد على أن حكومة الصيد التي تجمع ائتلافا حزبيا هشا لم تتوصل بعد 8 أشهر من بدء عملها إلى وضع برنامج تنموي وسياسي بناء على تشخيص دقيق للأوضاع العامة، يكفل معالجة تداعيات الأزمة الحادة التي ألقت بثقلها على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية من خلال إصلاحات عميقة تستجيب لتطلعات التونسيين إلى توفير التنمية والتقاسم العادل لعائدات الخيرات.
ولم يتردد حمة الهمامي الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية في أكثر من تصريح بأن قائد السبسي "تنقصه جرأة بورقيبة" في تعليقه على قرارات اتخذها الرئيس التونسي لفائدة المرأة التونسية بمناسبة احتفالها بعيدها السنوي الموافق ليوم 13 اغسطس/اب من كل عام وذلك احتفالا بقانون الأحوال الشخصية الذي أصدره بورقيبة عام 1956 وكفل حق مشاركتها في الشأن العام وضمن حقوقها السياسية والمدنية الفردية منها والعامة باعتبارها مواطنة لا مفاضلة بينها وبين الرجل في الحقوق والواجبات.
وأقر الحبيب الصيد السبت بـ"وجود ثغرات وإشكال على مستوى الاتصال والتواصل صلب الحكومة" مشددا على ضرورة تلافيها بناء على العديد من الحلول والمقترحات التي تقدم بها عدد من الوزراء وتهدف إلى دعم أداء الحكومة وفق رؤية حكومية واحدة لا وفق رؤى الوزراء الذين يشكلون الائتلاف الحاكم وينتمون إلى أربعة أحزاب تختلف تصوراتها إلى حد التناقض حول كيفية معالجة الوضع العام للبلاد، وهي نداء تونس وحركة النهضة وحزب آفاق تونس والحزب الوطني الحر.
وتعتبر المعارضة التونسية إن تشكيل حكومة جديدة بات "أمرا ضروريا" في ظل ما تقول انه فشل حكومة الحبيب الصيد في تسيير مؤسسات الدولة وإدارة الشأن العام، مشيرة إلى أنها أكتفت بسياسات ترقيعية وعجزت عن إطلاق مشروع إصلاحي تنموي وسياسي وعن انتهاج سياسات إصلاحية كبرى تستجيب لتطلعات التونسيين إلى بناء جمهورية ثانية.
حاليا، لن نوزع إلا الميزيريا!
وكشف مرزوق أن "ثورة الإصلاحات الهادئة" التي سيقودها الحزب خلال الفترة القادمة تتنزل في إطار مشروع وطني طموح في ظل جمهورية ثانية تتماثل مع الإصلاحات البورقيبية وتتعلق بالمجالات الاقتصادية وبالمجالات الاجتماعية والتربوية والثقافية، بما من شانه أن يعكس طموحات الأمة التونسية إلى ضمان دور تونس على المستوى الإقليمي والعالمي وتغيير استراتيجي للسياسة الدفاعية والخارجية يكون متفاعلا مع التغيرات الإقليمية والدولية.
واعتبر أن من أهم التحديات التي تواجهها تونس خلال هذه المرحلة تتمثل في "كيفية خلق الثروة حتى نستطيع توزيعها لأن في الظروف الحالية لن نوزع إلا 'الميزيريا'"، أي الفقر المدقع. وأضاف يقول أن ذلك "لن يكون ممكنا إلا إذا أطلقنا قدرات خلق الثروة وتخليص الاقتصاد من البيروقراطية لذلك يجب آن يترافق ذلك بثورة ثانية هادئة يكون شعارها الإصلاحات الكبرى".
ويقول الخبراء في التنمية الاجتماعية إن إعادة توزيع عائدات الخيرات بصفة عادلة بين التونسيين تعتبر ضرورة ملحة بل تمثل شرطا لإنقاذ البلاد من الأزمة مشددين على ضرورة أن تنتهج تونس منوالا تنمويا جديدا ذا بعد اجتماعي بعيدا عن نمط الاقتصاد المتوحش الذي يعمق الفوارق الاجتماعية ويؤجج الاحتقان الاجتماعي في وقت تحتاج فيه تونس إلى هدنة اجتماعية.
ولا تقتصر الانتقادات التي تواجهها الحكومة على المعارضة وفي مقدمتها الائتلاف الحزبي اليساري الذي يتزعمه حمة الهمامي وإنما شملت أيضا الأحزاب المؤتلفة في الحكومة التي اتهمت الحكومة على لسان نور الدين البحيري القيادي في الحركة الإسلامية ورئيس كتلتها البرلمانية بـ"وجود تصفية لكل من يشتبه بأنه عمل سابقا مع الحركة"، على خلفية إقالة وزارة الشؤون الدينية لعدد من الأئمة المتشددين.
ويرجع المحللون السياسيون ضعف أداء الحكومة إلى عاملين أساسين أولهما يتعلق بفشل عدد من الوزراء في إدارة ملفاتهم وافتقادهم للجرأة السياسية المطلوبة في إتخاذ قرارات شجاعة تنقذ البلاد من الأزمة خلال هذه المرحلة الدقيقة من تاريخها. وثانيهما يرجع الفشل إلى وطأة الأزمة العامة التي لامست مختلف القطاعات في ظل إدارة بيروقراطية تجهض جهود الوزراء مهما كانت كفاءتهم السياسية والإدارية، وهو وضع يستوجب إجراء إصلاحات كبرى تقود إلى تحرير القرارات السياسية من سطوة بيروقراطية إدارية تمثل عائقا أمام تنفيذ قرارات الوزراء.
وتظهر قراءة خطاب الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وأيضا آراء الخبراء أن هناك "شبه إجماع" على أن ضعف أداء الحكومة يرجع أيضا إلى غياب رؤية تنموية وسياسية تصهر جهود القوى السياسية والمدنية في مشروع إصلاحي وطني حداثي كبير، مماثل للمشروع الذي قاده الزعيم التاريخي لتونس الحبيب بورقيبة خلال الستينات والسبعينات من القرن الماضي في إطار دولة الاستقلال التي نجحت في تحقيق العديد من المكاسب وفي مقدمتها دولة مدنية مهابة ونتائج تنمية لا يستهان بها وإرساء نظام تعليم عصري إضافة إلى تحرير المرأة والتعاطي مع التونسيين وفق "مبدأ المواطنة" التي لا تفاضل في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بين مختلف فئات المجتمع.
وكان محسن مرزوق الأمين العام لنداء تونس كشف في وقت سابق أن الحزب سيركز جهوده خلال المرحلة القادمة على تحقيق "ثورة هادئة عنوانها الإصلاحات الكبرى" في مختلف المجالات مع "التواصل مع الحركة التحديثية والمرجعية البورقيبية الجديدة التي تعني المحافظة على المكاسب والمنجزات مع اغنائها بقيم الحرية والديمقراطية والمحافظة على المشروع الوطني".
وتعود جذور المشروع الإصلاحي التونسي إلى منتصف القرن التاسع عشر حيث قادت أجيال من المصلحين والسياسيين والمفكرين والفقهاء المستنيرين "ثورة إصلاحية" ضد القوى الاجتماعية والسياسية التقليدية ومن أبرز المصلحين آنذاك خير الدين التونسي وعبد العزيز الثعالبي الذي يوصف بـ" أبي الحركة الإصلاحية" التي قادت نضالات مريرة ضد الاستعمار الفرنسي ونجحت في انتزاع استقلال البلاد العام 1956.
التونسيون يريدون قرارات شجاعة
ويشدد الأمين العام لحزب نداء تونس على أن من أبرز ملامح "الثورة الهادئة" هو أن تربح تونس معركة الحداثة مع المحافظة على المكاسب التنموية والسياسية وفي مقدمتها حرية المرأة والحق في الصحة والتربية والحرية الفردية في الاقتصاد مع تأمين رعاية الدولة للملفات الاجتماعية ومع إثرائها بقيم الحرية والديمقراطية.
غير أن حكومة الصيد ترد على الانتقادات اللاذعة بشأن ضعف أدائها بالتشديد على أنها نجحت في تسيير مؤسسات الدولة وتأمين المخاطر التي تهدد التجربة الديمقراطية الناشئة والحد من هجمات الجماعات الجهادية وتوفير الأمن، وأنها مقبلة على إجراءات إصلاحية كبرى تشمل خاصة الملف الاقتصادي في ظل حالة الانكماش التي يعاني منها والملف الاجتماعي المشحون بحالة من الاحتقان الناجمة عن تداعيات الأزمة الاقتصادية.
ويرى سياسيون أنه من الإجحاف الحكم على الحكومة بالفشل باعتبار أنها تقود جهودا على أكثر من صعيد في وقت ألقت فيه الأزمة التي تمر بها البلاد بتداعياتها على تجربة ديمقراطية ناشئة تتهددها مخاطر الإرهاب ونسيج اجتماعي ممزق تهيمن على خيوطه حالة من الاحتقان، ووضع اقتصادي يكاد يكون كارثيا وسط سقف عال من المطالب مقابل ندرة الإمكانيات المادية.
ويضيف السياسيون أن من الإجحاف أيضا تبرير ضعف أداء الحكومة بالصعوبات التي تواجهها، على الرغم من خطورتها، خاصة وأنها لم تعلن بعد عن خارطة طريق تنموية وسياسية تنتهجها خلال السنوات القادمة باتجاه إنقاذ البلاد من أزمة تستوجب التفاعل الإيجابي مع مطالب التونسيين.
وتربط اتجاهات الرأي العام التونسي نجاح الحكومة في انقاد البلاد من الأزمة بإتخاذ قرارات شجاعة تهدف إلى إطلاق مشروع إصلاحي شامل ينأى بالحكومة عن الاكتفاء بـ"إجراءات ترقيعية" وذلك في إطار دولة مدنية قوية ومهابة قادرة على قيادة هكذا مشروع يقدم حلولا جذرية عملية وناجعة للمعضلات التي تعاني منها تونس منذ أربع سنوات.
ويؤشر تمسك السياسيين بـ"إطلاق مشرع إصلاحي وحداثي كبير" على تشبثهم بأن إنقاذ البلاد من الأزمة لن يمر إلا في إطار إصلاحات كبرى تتواصل مع الحركة الإصلاحية التي شهدتها تونس مند القرن التاسع عشر كما يؤشر على تمسكهم بمكاسب دولة الاستقلال التي ألغت النظام الملكي وأعلنت النظام الجمهوري وقادت مشروعا حداثيا يقر به خصوم بورقيبة قبل أعدائه.
ويرجع مراقبون استماتة القوى السياسية في الدفاع عن إطلاق مشروع إصلاحي كبير إلى أن تلك القوى باتت بعد أربع سنوات عجاف سياسيا واقتصاديا واجتماعيا أكثر تمسكا بمفهوم الوحدة الوطنية" وأيضا بكيان الدولة المدنية الذي يمثل الإطار الوحيد الذي يكفل مبدأ المواطنة.