ماذا حصل في لقاء موسكو مع ثلاثة من القادة العرب؟

جفرا نيوز - بسام بدارين

لا يمكن التغافل عن تلك المساحات الانفعالية في الموقف السوري من الأردن، خصوصا مع تفاعل الحديث خلف الستارة والكواليس عن سيناريو المنطقة العازلة التي يعرف النظام السوري انها ستعيد إنتاج الوضع العسكري والأمني الإستراتيجي لو سمح المجتمع الدولي لعمان بوضعها على رأس الأولويات.
لم تكن صدفة بالتأكيد تلك التي دفعت قائد حرس الحدود الأردني صابر مهايرة، قبل نحو أسبوعين، للتحدث عن رغبة بلاده في وجود منطقة عازلة لأغراض حماية اللاجئين وتأمين حدود بلاده.
تصريح المهايرة آنذاك أثار لغطا كبيرا لكن، سياسيا، يمكن ملاحظة انه صدر ولأول مرة باسم المؤسسة العسكرية الأردنية بعد زيارة مهمة لوزير الدفاع الأمريكي آشتون كارتر هبطت خلالها طائرته في قاعدة عسكرية على الأرض الأردنية وبالتزامن مع زيارة ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.
الأهم هو العنصر المستجد في المشهد، فالتعليق بمسألة المنطقة العازلة يتفاعل الآن لتفسير موقف القيادة السورية المتحرش ضد الأردن بعد الزيارة الهامة التي قام بها العاهل الملك عبدالله الثاني لموسكو والتقى خلالها الرئيس فلاديمير بوتين والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد. الأردن والسيسي وأبوظبي يشكلان «ثلاثيا» متقدما ومنسقا اليوم على صعيد مؤسسة النظام العربي الرسمي والأطراف الثلاثة ترتبط بعلاقة حيوية يشوبها بعض الخلافات في وجهات النظر مع السعودية تتجاوز المشهد السوري.
ليس سرا في السياق الإستراتيجي أن الأردن بحث سيناريوهات المناطق العازلة والآمنة مع تركيا خلف الأضواء، وأن عمان متخوفة وقلقة جدا من مقترح»المنطقة الآمنة» لإنها تنطوي على مجازفات أمنية بالنسبة لها خلافا لما تقدمه المنطقة العازلة.
على هذا الأساس يمكن توقع ان الأردن يمكنه التعايش مع رغبته في منطقة عازلة بعد تنامي العداء السوري النظامي لكن شريطة ان تحظى بغطاء دولي وهو أمر غير ممكن بدون التقارب مع موسكو وتحديدا مع فكرتها في جهود منسقة لمواجهة الإرهاب بوجود الأردن.
لذلك تبدو الإطلالة على نافذة اللاعب الروسي مهمة واستثنائية، الأمر الذي حاول إفساده الرئيس بشار الأسد الذي اندفع لتذكير الروس بأن الأردن بلد يدور في «الفلك الأمريكي» في توقيت متزامن مع جلوس الملك عبدالله الثاني على طاولة اتصالات موسكو التي تناقش بكل تأكيد ملامح صفقة تسوية كبرى برعاية روسيا لمجمل الملف السوري.
ولذلك تتجلى المفارقة السياسية بأبهى صورها فالأردن يجلس على طاولة دول كبرى تدير مفاوضات على مستقبل التسوية السورية وبشار الأسد يهاجم عمان من بوابة استقلالية القرار السياسي، لكنه في الواقع وحسب مصدر أردني عميق ومطلع يريد «تفويض» النظام المصري بتمثيل مصالحه في المجموعة العربية النشطة وليس الأردن او السعودية أو الإمارات.
المؤشرات تكثفت في عمان على ان الرئيس الأسد يقيم حلقة اتصال عن بعد وحيوية مع الرئيس السيسي عبر شخصيات «فلسطينية وأجنبية» مقربة من الجانبين.
لا يعرف حتى الآن الكثير عن هذه الحلقة لكنها فعالة والسيسي طلب مباشرة في موسكو من الأردن والإمارات التفاوض مع نظام بشار بعيدا عن حسابات «إسقاط الأسد» مما يجعله في أقرب مسافة من الموقف الروسي والإيراني عمليا لكنه بالنتيجة – وهنا محور الحذر الأردني – يجعله في مسافة أبعد من السعودية.
حتى عمان تفضل التوافق على تسوية سياسية بحضور نظام الأسد لكن الأخير قال لمبعوث فلسطيني زاره مؤخرا ان الأردن يعبث ويتلاعب ويحاول تضليل الجميع، وكان ذلك بمثابة قراءة سورية مغلوطة للحراك الأردني الذي لم يتورط حتى اللحظة في أي نشاط عسكري داخل الأراضي السورية. السيسي في موسكو، وحسب المعطيات التي استطاعت «القدس العربي» الحصول عليها، ظهر ميالا للتفاوض على التفاصيل مع نظام بشار على أساس منح النظام فرصة يمكن ان تسمى أخيرة، وأبوظبي لم تعترض وعمان تتفهم وموسكو رحبت في كل الأحوال.
وتم الإتفاق على هامش معرض الأسلحة الذي حضره الزعماء الثلاثة للإمارات والأردن ومصر على الانتقال لبحث تفاصيل وحيثيات للقنوات السرية المغلقة وإبلاغ «السعودية» بالمضامين، وهو وضع تكتيكي يضع روسيا على الطاولة العربية نفسها التي تبحث إستراتيجية التعاطي مع الأسد وسورية.
وتلك بمثابة القطفة الإستراتيجية التي حصل عليها بوتين عندما استضاف ثلاثة من القادة العرب بذريعة معرض لصناعات الدفاع الجوي العسكرية وعلى قاعدة «الحج وبيع المسابح» على حد تعبير سياسي أردني مخضرم.