العراق: إيران تسارع لإجهاض الحراك الشعبي وتعطيل إصلاحات العبادي

عمان- تحتشد في العراق نُذر مواجهة بين أجنحة التكتل الحزبي الحاكم، تحت ضغط المتظاهرين الذين هتفوا ضد حكم الفساد وتبعيته لإيران، التي أوفدت قائد فيلق القدس قاسم سليماني إلى بغداد أول من أمس، رافقه وفد سياسي وديني رفيع المستوى، في مهمة اعتبر المراقبون انها تستهدف "احتواء التظاهرات التي تهدّد النظام الحليف". وغداة، إعلان لجنة تحقيق برلمانية ان رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، و35 مسؤولا آخرين، يتحملون مسؤولية سقوط الموصل ثاني كبرى مدن البلاد بيد تنظيم داعش، العام الماضي، بحسب تقرير قدمته امس تمهيدا لإحالته إلى الادعاء، اعتبر مسؤولون عراقيون أنّ القضاء في البلاد عاجز عن تطبيق إجراءات الإصلاح التي اتخذتها الحكومة أخيراً، بسبب الفساد في المؤسسة القضائية التي طالبوا بتطهيرها كي تتمكن من ممارسة دورها. وقال النائب صادق المحنّا، إنّ "السلطة القضائية في العراق أصبحت في عداد المنتهية، ولا دور لها، ولا حتى تستطيع أن تطبق إجراءات الإصلاح ومحاسبة الفاسدين". وأضاف أنّ "هناك بعض القضاة الذين يسيطرون على السلطة القضائية ويتسلطون على المؤسسات القضائية في البلاد"، لافتاً إلى أنّ "هؤلاء يعملون وفق أجندات خاصة، ويسوّفون الكثير من القضايا المتعلقة بالفساد". ودعا المحنّا، رئيس الحكومة، إلى إصلاح "المؤسسة القضائية قبل أن يقدم على أيّ خطوات للإصلاح، لأنّه في حال بقيت على حالها فإنّ الفاسدين سيبقون في مأمن عن الحساب". من جهته، أمهل عضو اللجنة المالية النيابية، هيثم الجبوري، السلطة القضائية "سبعة أيّام للكشف عن ملفات الفساد التي قدمها للقضاء، والملفات الأخرى التي في عهدتها والتي تورط فيها مسؤولون كبار". وقال الجبوري، في مؤتمر صحفي، إن "السلطة القضائية تغض الطرف عن ملفات الفساد، وتعتقد أنّها فوق الشبهات، ولا أحد يتدخل في عملها"، داعياً رئيس السلطة القضائية، مدحت المحمود، إلى "فتح جميع ملفات الفساد بدون استثناء، انسجاما مع مطالب المتظاهرين". وأكد أنه "في حال انتهاء مهلة السبعة أيّام من دون أن تقدم السلطة القضائية شيئا، فإنّنا سنكشف عن هذه الملفات علناً". وطالب الجبوري، رئيس السلطة القضائية، بـ"تطهير المؤسسة من الفاسدين، ومنهم رئيس محكمة استئناف الرصافة، القاضي جعفر الخزرجي، الذي ما زال يؤدي عمله بشكل طبيعي جدا رغم وثائق الفساد المقدّمة ضدّه". بدورها، عدّت عضوة لجنة النزاهة النيابية، منى الغرابي، مسألة إصلاح القضاء العراقي "ملفا مهما، وخطوة متقدمة، على طريق اجتثاث جميع المفسدين في البلاد". وشدّدت على أن "يكون إصلاح المؤسسة القضائية من أولويات الحكومة، وعلى الحكومة أن تكون جادة في هذا الموضوع المهم الذي يخدم جميع المواطنين". واعتبر المراقبون أن خرق نائب الرئيس العراقي المقال نوري المالكي، حظر السفر المفروض عليه، ومغادرته إلى طهران في ساعة متأخرة من ليلة الجمعة الماضية، أول تحدٍّ لحكومة حيدر العبادي التي أعلنت عن حظر سفر المسؤولين المقالين حتى الانتهاء من تحقيقات في شبهات فساد تحوم حولهم، ومن بينهم المالكي ومدير مكتبه السابق طارق نجم وعدد من أقربائه. وأكد برلماني بارز، أن زيارة سليماني تأتي بعد إشارات وبرقيات صريحة وواضحة من إيران تعارض التظاهرات وتُبدي امتعاضها من تمزيق صور زعامات وقيادات دينية موالية لها في كربلاء والديوانية جنوب العراق وبغداد خلال الأيام الماضية، مشيراً إلى أن إيران غير راضية عن إصلاحات حكومة حيدر العبادي وتعتبرها غير صحيحة. وتداولت مواقع اخبارية، تصريحات لمسؤول عراقي رفيع المستوى بحكومة العبادي، قوله، إن "سليماني وصل صباح السبت إلى مطار بغداد برفقة وفد سياسي وديني، وهي المرّة الأولى التي يصل فيها إلى العراق بمهمة سياسية وليست عسكرية منذ أكثر من عام". وبيّن أن "زيارة سليماني تأتي على خلفية المشاكل الحادة بين قادة التحالف الوطني والتظاهرات التي تضرب مدناً عدة من جنوب ووسط العراق وإقالة مسؤولين بارزين مقربين من إيران أبرزهم المالكي المتواجد حالياً في طهران". بدوره، اعتبر القيادي في التيار الصدري، حسين طعمة، أن "زيارة سليماني للعراق تأتي بعد إشارات وبرقيات وصلت من طهران تعارض تلك التظاهرات بشدة وتدعو لإخمادها". وأضاف أن "السيد مقتدى الصدر دعا إلى تظاهرات مليونية ولن يتراجع عن قراره حتى لو كانت إيران ترفضها". وأكد أن "العراقيين ملّوا من الوضع الراهن، حيث يعيش القادة في النعيم والشعب في الجحيم". وقال طعمة، إن "المالكي يحرّك الوضع نحو الانفجار كما فعل مع المحافظات (السنية) انتقاماً"، مستدركاً أن "هذا الرجل لا يختلف في شيء عن (العقيد معمر) القذافي و(الرئيس اليمني المخلوع) علي عبدالله صالح والجميع متفق أن التظاهرات يجب أن يتم احتواؤها وإرضاء الشارع، لكنه يستثمرها بحرف مسارها وتحويلها إلى غوغاء"، واصفاً ذهابه إلى إيران بأنه "استجداء لإعادته إلى السلطة". وفي الإطار نفسه، أكد عضو البرلمان العراقي عن "التحالف الكردستاني" مجيد سورجي، أن "سليماني متواجد بالعراق في مهمة سياسية لا عسكرية". وأوضح، أن الزيارة "تهدف لإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل ليلة الواحد والثلاثين من تموز(يوليو)، حين انفجرت التظاهرات جنوب العراق، وأعقبتها خلافات كبيرة، وإقالات واسعة طاولت الجناح الموالي لإيران". وبيّن سورجي أنّ "العبادي في موقف مريح حالياً؛ فالشارع مؤيد له، وهناك دعم ديني من مرجعيات النجف. وربما تكون هناك خلافات في وجهات النظر بين مرجعية النجف ونظام الحكم بإيران". ووصف سورجي زيارة المالكي إلى إيران بأنها "أول كسر لقرارات العبادي وتحدٍّ له، خصوصاً أن الأخير غادر على متن طائرة خاصة بدعوة من إيران، ولم يتمكن أحد من اعتراضه". وهاجمت عناصر مسلحة من جماعة "ملتقى البشائر" (جماعة مسلحة تنتمي لحزب "الدعوة الإسلامية" بزعامة المالكي)، المتظاهرين مساء الجمعة في ساحة التحرير ببغداد، واعتدت على عدد منهم بالسكاكين والحراب، ما أسفر عن إصابة عدد من المتظاهرين بطعنات بينهم فتاة نقلت إلى المستشفى قبل تدخل قوات من الجيش ومليشيا مسلحة تابعة للحشد الشعبي تمكنت من طرد المهاجمين واعتقال ثلاثة منهم في ما بعد. وحاول متظاهرون اقتحام مبنى الحكومة المحلية في كربلاء، فيما نجح آخرون في اقتحام مبنى بلدية في البصرة وآخر في بابل. ورجح الخبير بالشؤون العراقية، فائز العتابي، أن تكون زيارة سليماني للملمة الوضع الداخلي للتحالف. وقال لـ"العربي الجديد" إن "التظاهرات تهدد السلطة الدينية بالعراق ووجود الأحزاب الموالية لإيران في السلطة ومن الطبيعي أن تتدخل إيران لحماية مصالحها". وكان المالكي قد غادر الى طهران عبر مطار بغداد في زيارة غير رسمية، فيما لم يعترض أمن المطار على ذلك. وقال مصدر في مطار بغداد، إنّ "توجيهات رسميّة صدرت من مكتب رئيس الوزراء قضت بعدم اعتراض طريق المالكي". وأشار إلى أنّ "أمن المطار بدوره نفّذ التوجيهات، ولم يعترض طريق المالكي". من جهته، قال مصدر في التحالف الوطني، إنّه "في خضم هذه الأحداث وخطوات الإصلاح وشبهات الفساد التي تحوم حول المالكي وجّهت إيران للمالكي دعوة رسمية على الرغم من حظر السفر المشمول به"، وقال إنّها "طلبت من العبادي استثناءه من قرار منع السفر". وأكّد المصدر، أنّ "المالكي يبحث في طهران كيفية التعامل مع الإجراءات الإصلاحيّة، والتي يحاول العبادي تطبيقها، والحصول على ضمانات تؤمن عدم محاسبته قانونيّاً على ملفات الفساد التي تورّط بها". وأضاف أنّ "المالكي فقد منصبه كنائب لرئيس الجمهورية وفقاً لخطة الإصلاح، لكنه يسعى للحصول على ضمانات إيرانية تفرض على العبادي بعدم ورود اسمه في أيٍّ من ملفات الفساد". وبيّن أنّ "إيران ستكون الجهة الضامنة له بذلك، وستضغط على العبادي للقبول بذلك". وأشار إلى أنّ "المالكي لن يعود إلى العراق إلّا بعد عقد اتفاق إيراني مع العبادي على عدم عرضه على القضاء بأيّ تهمة كانت". بدوره، رأى الخبير السياسي، رافد سعدون، أنّ "إيران استطاعت بكل بساطة أن تخرق إجراءات العبادي الإصلاحيّة وتفرض شروطها عليه، وأرادت من خلال زيارة المالكي إلى طهران أن تحقق عدّة أهداف". وأوضح سعدون أنّ "طهران ذكّرت العبادي أنّ أي إجراءات إصلاحيّة يقوم بها يجب أن تتوافق مع سياستها في العراق، وأنّها تستطيع تعطيلها وخرقها في أيّ وقت أرادت، بدليل أنّها خرقت حظر السفر عن المالكي، وأنها ستحصّنه من تهم الفساد على الرغم من التظاهرات". وأشار إلى أنّ "حكومة طهران تتمتع بنفوذ كبير وقدرة حتى على تغيير الحكم في البلاد، وإسقاط العبادي وتعيين غيره". وأكّد أنّ "المالكي سيعود إلى العراق وسيحظى بالدعم الإيراني الكامل، والحصانة الكافية من القضاء، فيما سيعفى من منصبه كنائب لرئيس الجمهورية، وسيبقى زعيماً لمليشيات الحشد الشعبي".-(وكالات)