حكومة النسور ... عوامل البقاء وموجبات التغيير

جفرا نيوز - كتب عمر المحارمة
كسابقاتها من الحكومات تواجه حكومة الدكتور عبدالله النسور بين الفينة و الأخرى "زوبعة" التحليل وإرتفاع وتيرة الاقاويل عن قرب الرحيل و حلول موعد التغيير دون أن تستند تلك التكهنات والتحليلات إلى مصادر معروفة أو بينات معلومة.
والتغيير بحد ذاته ودون إعطاء موعد واضح لحدوثه هو سُنه لا بد من وقوعها لذلك تتفتح شهية بعض المحللين والكتاب للخوض في هذا الأمر، فهامش المغامرة أو الخطر الواقع على مصداقيتهم خفيف ويتعلق بالتوقيت فقط.
الحديث عن رحيل الحكومة يستند وفق مروجيه الى موجبات عدة تتصدرها ثلاث رئيسية أولها فشل الحكومة في إدارة الملف الدبلوماسي والعلاقات الخارجية وخصوصا مع دول الخليج والمملكة العربية السعودية تحديدا ما دفع صانع القرار للإستعانة بشخصيات من خارج الإطار الرسمي لسد تلك الفجوة وترميم الأضرار وهو الأمر الذي تحقق فيه نجاح معقول ومقبول بدلالة الزيارات الثنائية التي تمت بين الرياض وعمان مؤخرا.
وبحسب أصحاب وجهة النظر هذه فإن عودة العلاقة الأردنية السعودية الى أفضل حالاتها يتطلب وجود شخصية مقبولة لدى السعوديين على رأس الحكومة، مما يستدعي تغيير الحكومة الحالية التي لا تمتلك –وفق ذات المحللين- قنوات إتصال مع العربية السعودية تمكنها من إعادة العلاقة معها الى أوجها المطلوب.
الموجب الثاني للتغيير وفق التحليلات المطروحة يتعلق بالملف الإقتصادية التي نجحت الحكومة الحالية في جوانب منه وأخفقت في أخرى، فعلى الرغم من نجاح الحكومة الحالية في إبعاد الاقتصاد الوطني عن حافة الإنهيار التي وصل اليها قبل نحو ثلاثة أعوام، لم تستطع حتى الآن كبح جماح الخط البياني المتصاعد لمستوى المديونية أو رفع مستويات التنمية المحلية.
ووفقا للمحللين فإن النجاح المتحقق للحكومة الحالية كان على حساب التوازن الاقتصادي-السياسي حيث أججت القرارات الصعبة التي دأبت الحكومة على إتخاذها حالة التباعد بين المستويات الرسمية والشعبية وأسهمت في تناقص الثقة بالإدارة المحلية على مختلف مستوياتها.
وعلى الرغم من إقرار ذات المحللين بأن الرئيس النسور أظهر شجاعة بالغة وتسجل له في الإقدام على القرارات اللإقتصادية المتخذة إلا أنهم يرون أنها أدت المهمة المطلوبة ويتوجب رحيلها لترميم العلاقة الرسمية-الشعبية عبر "التضحية" بالحكومة الحالية لخلق حالة تماسك تحتاجها البلاد بشدة في ضوء الظروف الامنية الاقليمية التي فرضت مخاطر جمة على المملكة.    
العلاقة بين الرسمي والشعبي تمثل وجها من أوجه الموجب الرئيسي الثالث لرحيل الحكومة وفق المحللين الا وهو إنخفاض شعبية الحكومة إلى مستويات غير معهودة حيث أشار أحد التقارير الصادرة مؤخرا الى أن 80% من الأردنيين لا يثقون بالحكومة ومجلس النواب.
"موجب الشعبية" قد لا يكون بأهمية الموجبين الأولين لكنه يحظى بخصوصية تأثيره المباشر على الجبهة الداخلية المطلوب تمتينها بصورة مثالية في غمار ما يعانية الأردن من أخطار وتحديات فرضتها الاوضاع الاقليمية و دخول البلاد في حرب مباشرة ضد قوى الإرهاب.
الموجبات الثلاث السابقة ليست الوحيدة التي تستدعي رحيل الحكومة فالأزمات المحدودة التي تواجهها الحكومة من وقت الى آخر كأزمة التعليم العالي و المناوشات المتلاحقة مع النواب وإلاخفاق في تقديم مشاريع طموحة لبعض التشريعات الهامة و أزمة العلاقة مع الاعلام والاتهامات بعدم العدالة بملف التعيينات في وظائف الفئة العليا تشكل بمجملها تراكمات تعجل قرار التغيير.
في مواجهة ذلك كله تمتلك حكومة النسور عوامل ذاتية وموضوعية تستدعي إستمرارها في إدارة شؤون البلاد حتى موعد الإنتخابات النيابية المقبلة.
أول تلك العوامل وجود رغبة وإصرار لدى صاحب القرار في تكريس أرتباط بقاء و رحيل الحكومة ببقاء مجلس النواب أو ثقته فيها على الأقل وهي رغبة مستلهمة من الرؤية الطموحة للوصول الى مبدأ "الحكومات البرلمانية" والتي كانت المشاورات النيباية لتشكيل الحكومة الحالية خطوة بإتجاهه.
ويتمثل العامل الثاني بالقدرة التي أظهرتها هذه الحكومة في التصدي للقرارات الصعبة وخصوصا الاقتصادية منها ونجاحها في إستيعاب تبعات القرارات المتخذة والخروج بعدها بخائر محدودة جدا رغم إتخاذها في ظروف أمنية وسياسية بالغة الحساسية.
قدرة الفريق الحكومي بقيادة النسور على تطبيق السياسات الاقتصادية القاسية تعطي مبررا قويا لاستمرار هذه الحكومة مع وجود حاجة ملحة لاستمرار السياسة الاقتصادية المتبعة حاليا والتي لا يتوقع تغييرها بتغير الرئيس أو الفريق الإقتصادي وهو ما يستدعي التساؤل عن موجبات التغيير و عن نجاعة الإتيان بحكومة أخرى قد لا تملك القدرة ذاتها على إدارة الملف الاقتصادي.
أما العامل الثالث فهو القدرة على إدارة العلاقة مع النواب بحنكة بالغة إستوعبت "الحنق" النيابي بهدوء وعملت على تحجيمه و أنهائه بدهاء ولعل إعادة التصويت على الثقة بالحكومة العام الماضي على خلفية قضية استشهاد القاضي الاردني رائد زعيتر على يد جنود الاحتلال الاسرائيلي واحدة من العلامات الفارقة في تاريخ الحياة السياسية الأردنية ومثالاً حياً لقدرة النسور على "محاججة" النواب وتطويعهم.
و من العوامل التي قد تحول دون تغيير الحكومة هذه الآونة انشغالها منذ فترة في إعداد قانون انتخاب جديد يتوقع رفعه الى مجلس النواب في دورته العادية المقبلة مما يستوجب بقاء الحكومة الى حين إقرار القانون في أروقتها وتسليمه للنواب على الأقل منعا لعودته الى المربع الأول في حال تغيير الحكومة.
كما تأتي الرغبة في تركيز الجهود على محاربة الإرهاب والتصدي للتحديات الامنية المحلية كواحدة من العوامل التي قد تطيل عُمر الحكومة الحالية فالظرف لا يسمح بالانشغال ولو مؤقتا في ترتيبات ومشاورات رحيل حكومة وقدوم أخرى جديدة.
حكومة النسور واقعيا كسرت روتين قِصر عُمر الحكومات في الأردن و تقترب من تحطيم رقم زمني لازال مسجلا بإسم حكومة علي أبو الراغب الذي بقي يشغل سدة الرئاسة في الدوار الرابع من حزيران عام 2000 إلى تشرين الأول عام 2003 فحكومة النسور تقترب من دخول سنتها الرابعة في  تشرين أول المقبل.
ولعل إحدى مفارقات تشكيل حكومة النسور أن الملك خصه في كتاب التكليف بعبارة لافتة حين طلب جلالته في كتاب التكليف السامي من النسور بلورة برنامج العمل الحكومي للسنوات الأربع القادمة، حيث كانت تلك العبارة المرة الأولى التي يحدد فيها رأس الدولة فترة زمنية لعمر الحكومة.
عمليا فإن الحديث عن رحيل الحكومة أو بقائها هو حديث نخبوي لا يشغل بال الشارع كثيرا فالناس في الغالب منشغلة بهموم البلاد الاقتصادية والأمنية وتتساءل عن مستقبل البلاد والمنطقة أكثر كثيرا من سؤالها عن موعد تعديل أو تغيير على الحكومة.