الدبلوماسية الأردنية تخفق في تنويع الخيارات لمواجهة المخاطر والأزمات المحيطة
جفرا نيوز-عمر محارمة
فرضت المتغيرات العديدة على الساحة الإقليمية خلال الأشهر الأخيرة على الأردن إعادة النظر في طريقة إدارة الدبلوماسية الأردنية للتوائم مع المعطيات والتغيرات الجديدة بما يحقق المصلحة العليا للدولة الأردنية.
تحديات سياسية واقتصادية يواجهها الأردن تتطلب منه ديناميكية فاعلة في إدارة السياسة الخارجية وتحريك القنوات الدبلوماسية للتعاطي مع هذه التحديات وتطويعها لضمان عدم تفاقم التأثيرات السلبية للأوضاع الاقليمية السياسية والامنية والاقتصادية.
ولعل من أهم التغيرات التي شهدتها المنطقة العربية هذا العام انتقال الحكم في المملكة العربية السعودية الى خادم الحرمين الملك سلمان بن عبدالعزيز وتغير كامل طاقم الادارة والحكم دون وجود اصدقاء للأردن في طبقة الحكم الجديدة بشكل أظهر بوضوح فشل الدبلوماسية الاردنية في بناء علاقات تراتبية مع مختلف مستويات الادارة السعودية.
فالأردن الذي كان يجد دائما صوتا يدافع عنه ويدعو للتقارب معه في منظومة الحكم السعودية وجد نفسه وبشكل مفاجئ بلا نصير داخل الادارة الجديدة يدعم وجهات نظره أو صديق يدافع عن مستوى العلاقات معه.
هذا التغيير كشف نقطة ضعف الدبلوماسية الأردنية التي أصرت خلال السنوات الماضية على بناء علاقاتها وفتح قنواتها مع مستوى واحد داخل كافة الإدارات وعجزت عن فتح قنوات جديدة او تحقيق حضور سياسي يلفت الانظار نحوها وتقوقعت ضمن اطار محدود من العلاقات دون أن تضع في حساباتها التغيير المتوقع من فترة الى أخرى بفعل دورة الحياة.
رجالات الحكم في الشقيقة السعودية كانوا دوما الأقرب الى الاردن على مستويات التنسيق والتعاون والتشاور داخل المنظومة الخليجية وبقيت العلاقات الاردنية السعودية محط أهتمام القيادة السياسية في البلدين على مختلف مستوياتها، لكن الأشهر الماضية كشفت وجود فتور من طرف الادارة الجديدة إتجاه الاردن ليس له تبرير سوى وجود خلل في بناء العلاقة مع هذه الادارة الامر الذي دفع بالملك للاستعانة بشخصية من خارج الاطر الرسمية لايصال رسالة الى الملك سلمان بعد ان تعذر فتح ابواب القصر السعودي لأيا من رجالات الدبلوماسية الأردنية.
حيث غاب صوت الأردن في أروقة الحكم السعودي على الرغم من أنه لم تظهر الى السطح حتى حينه اية تباين في وجهات نظر البلدين حول القضايا الاقليمية او الثنائية، بل أن هناك توافق شبه تام على مختلف الملفات مع وجود إختلاف في سلم اولويات تلك القضايا على جدول كلا من البلدين.
الحراك السياسي الذي تعيشه المنطقة العربية، والحروب التي تشهدها أكثر من منطقة خصوصا في سوريا والعراق واليمن و عملية إعادة تموضع المحاور في الاقليم تظهر بشكل جلي حاجة الأردن الى مواكبة التغيرات بما يلبي المصالح الوطنية ويستوعب المرحلة جديدة.
السياسة الخارجية الأردنية شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولات كبيرة تبعا لتغير الأولويات وما تشهده المنطقة من تقلبات على مستوى التحالفات والفاعلين وهو ما يحتم على الاردن بناء علاقات مع الادرات الجديدة في مختلف البلدان لتأمين فرص للتعايش وتذليل التحديات.
وهو تحول كان لا بد منه لمواجهة موجة تحول في سياسات بعض الدول المنضوية تحت لواء المحور التقليدي أو ما كان يسمى بمعسكر الاعتدال، التي انتقلت من الدبلوماسية المحافظة المتوازنة إلى الدبلوماسية المتفاعلة مع الاحداث بقيادة المملكة العربية السعودية التي تمتلك ثقل جيوسياسي ومالي يؤهلها لسد فراغ القيادة بعد غياب العواصم التقليدية لصنع القرار في المنطقة والتي كانت تتولاها بغداد ودمشق والقاهرة.
بوادر التحول في استراتيجية السياسة الخارجية السعودية أكثر من واضحة بعد تولي الملك سليمان لمقاليد الحكم، ولعل دخول الاردن في التحالف العربي لعاصفة الحزم كان واحدة من المبادرات الاردنية لتأكيد حرصه على بقاء مستوى العلاقة مع دول الخليج العربي وخصوصا السعودية عند مستوياته التقليدية لكن غياب "صوت للأردن" داخل الإدارة الجديدة منع من ايصال الرسالة المطلوبة.
تاريخيا ارتكزت السياسة الخارجية ألاردنية في تحقيق أهداف ومصالح الدولة العليا على استراتيجية تعاونية مع أمريكا والغرب عموما، وتحالفية مع بعض الدول المحيطة، ومتحفضة مع أخرى كان يرى فيها صانع القرار هنا تهديدا لمصالح البلاد كبعض حقب الحكم في مصر وسوريا والعراق.
وفي سبيل تحقيق القدر المعقول من الاستقرار السياسيي والاقتصادي والأمن كانت السياسة الخارجية مع الدول المجاورة إقليميا تتقلب بحسب تقدير مدى المنفعة من العلاقة أو التهديد الناجم عن دولة أو دول تهدد مصالح البلد، وغالبا ما كان الأردن يحافظ على البقاء في ذات المعسكر مع دول الخليج، مع فتح القنوات باتجاهات أخرى أحيانا وفقا لتقدير المصلحة الوطنية.
الأردن اليوم على الجبهة المباشرة مع أنظمة معادية أو شبه معادية ونفوذ إيراني قريب وتنظيمات تهدد أمن الأردن كتنظم الدولة وفوضى تلامس الحدود، ناهيك عن قصص اللاجئين وما تفرزه من كلف سياسية وأمنية واجتماعية ومادية في ظل إقليم قلق وتقلبات سياسية وموارد شحيحة وأزمة اقتصادية متواصلة.
والدبلوماسية الأردنية كانت تمتلك مرونة أكبر في الحركة حينما كانت تستخدم أدواتها الناعمة لامتلاك أوراق للمناورة، فكانت تستظيف حماس بينما كانت توقع مع الكيان الإسرائيلي معاهدة للتسوية، وتؤوي تشكيلات من المعارضة لنظام الرئيس السابق صدام حسين بينما تقف معه في حربه مع ايران بكل ما تمتلك، وتحمي إسلاميي سوريا بينما يتم تبادل الزيارات مع دمشق.
الواقع الذي تفرضه ظروف المنطقة يدفع للعودة إلى هذا النهج من خلال تنويع الخيارات رسميا وشعبيا، دون التغريد خارج السرب، لتمتين استقلالية السياسة الخارجية الأردنية، وزيادة فرصها في لعب دور محوري يفرض حضورها في مختلف العواصم وصناعة القرارات.
تقلب الأنظمة المجاورة وضع الأردن على المحك في تعامله مع هذه المتغيرات والتعامل مع معطيات المرحلة بما يعزز من مكانة الاردن الإقليمية ويحقق مصالحه الوطنية العليا.