دَقُّ الماء في الإناء!
جفرا نيوز - محمد داودية - زار البتراء تجارٌ يونانيون سنة 86 ميلادية، وزارني حينها احدُ الأصدقاء الأنباط المقيمُ بشكلٍ دائم في أثينا، كان الحارث يحمل رمحا ويتمنطق بخنجر على "وزرته" المزركشة التي فوق الركبة، قال لي وهو متكدر مستاء: إن التجار اليونانيين جاءوا إلى مملكة البتراء من اجل التّقدم لعطاءات القمح، قلت له: وأَين هي علاقتي بالموضوع؟ وأين المشكلة؟ فليتقدموا !! ابتسم ابتسامة قرف وقال: لمْ يكونوا يعلمون من هم "المتخصصون" وكلاءُ توريد القمح إلى البتراء، إلى أن وصلوا إليها! قلت: ما زلت لا افهم عليك يا صديقي. قال: لم يتقدم اليونانيون إلى عطاءات القمح ولن يتقدموا إلى أن تقوم ناقة صالح!! قلت له: يا أخي دع عنك الرمحَ جانبا كي أجرؤَ على أن أقول لك: عساهم ما تقدموا، هل تعتقد إننا لن نأكل خبزا إلا بهم!! قال لي صاحبي وهو يكرع الماء البارد من زير ملفوف بـ "الخيش" مغطى بعباءة محارب قتيل: اخبرني أصدقائي التجار اليونانيون الذين زاروا مملكتنا انهم لو كسبوا عطاء توريد القمح فإنهم لن يجدوا سفينة شراعية واحدة في كل بحار العالم ومحيطاته تقبل أن تنقل حبة قمح واحدة إلى ميناء العقبة. قلت له: العقبة آمنة وميناؤها شغال والسفن لا تتوقف عن التدفق إليه وهاهي تمخر خليجنا بأمان واطمئنان. قال لي: مش هيك. قلت له: ماذا إذن؟ قال لي اسمع حتى النهاية ويستحسن أن تسيطر على أعصابك: توجد سيطرة كلية على قمح البتراء بحيث لا يمكن أن تدخل حبة قمح واحدة إلى البتراء إلا من خلال شركات وكيل محددة ، وأضاف: لا توجد شركة سفنٍ في العالم تقبل أن تنقل قمحا إليكم إلا لتلك الشركات المدعومة التي لها أسماء متعددة وهي أقنعة لشركة واحدة. هرعت إلى تناول "عرام" من الجعدة وأخذت أنفاسا عميقة ولجأت إلى فرك منطقة الصدر والصدغين وطلبت من ابني عمر الذي كان مشغولا بتحضير فخ الثعالب، أن يُجهّز حصانَه لإحضار العراف يوسف القسوس أو النطاسي عرفات الأشهب وتمددت على قصبة ظهري وجالت في راسي خواطر مختلفة أهمها انني قررت التخفيف من تناول الخبز لتقليل آلاف الدنانير الذهب التي ندفعها كاشا ثمنا للقمح المستورد. صاحبي أضاف قائلا: هل تعلم أن من مصلحة شركات توريد القمح إلى البتراء أن يظل سعر بيع الخبز منخفضا ومدعوما وان يستمر استهلاكه بكميات كبيرة. وهو ما سيجعلني – أضاف – أبدو وكأنني من المروجين إلى رفع الدعم عن القمح وتعويض المتضررين من المواطنين ببدل نقدي بشرط أن يكون الدفع قبل الرفع !! وعلى غير عادة صاحبي اخذ رمحه، وعلى غير عادته ترك لي خنجره، ولما سألته عن سر هذا التبدل في عادته السنوية قال: تركت لك الخنجر كي تقطع به القيود والأغلال المضروبة على استيراد القمح. ولما لم يكمل سألته: وماذا عن الرمح؟ لماذا تحمله معك ولِمَ لا تتركه لي كما كنت تفعل في كل زيارة؟ أجاب: أقسمت أن اجلس على الرمح إن أفلح احدٌ في مملكة البتراء في تحرير تجارة القمح. قلت لصاحبي: صار لا بد أن أتوجه إلى الكاهن المكلف بتصريف الأعمال لأضعه في صورة ما تحصَّلَ لديّ من معلومات مزعجة رويتها لي لعلّه يضع حدا لهذا الاختلال والاستغلال. صرخ بي صاحبي: ناولني الرمح يا هذا، سأخوزق نفسي قبل أن تغرق مملكتنا في لجان ستظل تجتمع إلى سنة 2025 ميلادية.