الأردن وعدم القدرة على التجديد : إخفاق نظرية إرضاء الجميع وتراجع مفهوم الوظيفة
جفرا نيوز
في الاردن، لا تكاد تخلو اي جلسة مغلقة او علنية اليوم من مشاعرالقلق و الاستياء من طريقة ادارة المشهد الاردني على صعيديه الداخلي و الخارجي.
سوء التقديرات السياسية على الصعيد الاقليمي و غياب رؤية استراتيجية للتنمية و التطوير و تفاقم المديونية و تردي الخدمات، كلها مواضيع باتت تمثل الحديث اليومي للاردنيين من نخب و عموم.
و بعيداً عن حديث المجالس اليومية تفرض مناخات الواقع السياسي الاردني نقاطا لابد من الوقوف عندها باعتبارها المفتاح الرئيسي لباب المراجعات المطلوبة.
الاردن و الخيارات السياسية
وفقاً لكثير من المراقبين يعتبر الموقف الاردني السياسي بالعادة غامضاً الى حد كبير خصوصاً عندما يتعلق الامر بضرورة اتخاذ قرار حاسم او موقف واضح.
منذ اندلاع الازمة في سورية تميز الموقف الاردني بغموض كبير تفاعلا فيما يبدو على نظرية "ارضاء الجميع″ لكنه انتهى اليوم "بعدم ارضاء احد.”
كثير من المطلعين على تفاصيل السياسة الدولية و الاقليمية اعتبرت ان السياسة الاردنية لم تكن قادرة على بناء تحالفات راسخة مع اي من الاطراف حيث سجلت عليها كثير من المآخذ أهمها انها سياسة سعت لاسماع كل طرف من الاطراف ما يشتهي سماعه في الوقت الذي تحتاج عملية بناء التحالفات الى موقف حقيقي وواضح.
كثيرة هي التقديرات الخاطئة التي يمكن ان يستعرضها اي متابع للسياسة الخارجية الاردنية، من تفاصيل ملف الانضمام للنادي الخليجي مروراً بالتقديرات الخاطئة للازمة السورية او حتى تفاصيل الملف الفلسطيني.
كثير من المراقبين للمشهد الاقليمي يستشعرون خروج الاردن من المعادلة الاقليمية خالي الوفاض لا بل ان البعض يعتبر ان الاردن قد يتم تجريده من اوراق يفترض منطقياً انها اردنية بامتياز خصوصاً الاوراق المرتبطة بملفات التسوية الاقليمية الامر الذي يحول الاردن من شريك مفترض الى مُستقبل لنتائج هذه التسويات.
يعلق بعض المطلعين على تفاصيل المشهد الاردني بالقول ان :”السياسة الاردنية غلبت السعي لتأمين الجانب الاقتصادي على المصلحة الوطنية” مما ادى الى خلق حالة سياسية مشوهة غير قادرة على تسجيل اي حضور فعلي في مجمل ملفات المنطقة.
بينما يسجل كثير من المراقبين تحفظاتهم على قدرة السياسة الاردنية على اضفاء اي نوع من انواع التغيير على هذه السياسة السلبية خصوصاً ان آلية صنع القرار في الاردن باتت تفتقر لخاصية تغيير الشخوص و النهج و الرؤية مما يعني ان الاردن بات يدور في حلقة سياسية مفرغة غير قادرة على احداث تغيرات حقيقة او تحقيق مكتسبات فعلية ضمن مشهد المتغيرات السياسية الحال.
غياب استراتيجيات التنمية
على الصعيد الداخلي الاردني يستمر ظهور النتائج السلبية خصوصاً في ما يتعلق بقطاع التنمية المستدامة و تطوير استراتيجيات الامن الغذائي و الاعتماد على الذات حيث عادت معضلة الاعتماد الكلي على الخارج الى السطح خلال السنوات الاخيرة.
خصوصاً وان غالبية المعادلات السياسية تغيرت جذرياً مع اندلاع ما يسمى الربيع العربي حيث اثبتت كافة المعطيات الجديدة ان سياسات التنمية الداخلية و الاستراتيجيات الزراعية و الامن الغذائي هي اساس بقاء الدول و لا يمكن تهميشها على حساب البعدين الامني و العسكري خصوصاً ان البعديين الاخيريين يرتبطان حصرياً بفكرة الدول الوظيفية التي أصبحت نظريتها جزءً من الماضي.
في المقابل يشعر الاردنيون بحجم الضغوطات المجتمعية التي تولدت نتاج تحول الاردن الى متلقي لنتائج الاضطرابات السياسية في المنطقة بدءً من حرب الخليج الاولى ووصولاً الى سقوط بغداد و الازمة السورية.
للاسف تحولت معظم ازمات الاقليم الى عوامل ضغط سلبي على حياة الاردنيين خصوصاً مع عدم وجود استراتيجيات امن مجتمعي تعنى بالحفاظ على مستوى حياة الاردنيين و النأي بهم عن التداعيات السلبية لموجات الهجرة غير المنظمة و عشوائية التعامل الحكومي معها، فأضحى الاردني يدفع ثمن هذا التخبط في كافة تفاصيل حياته اليومية من عدم السيطرة على ارتفاع الاسعار وصولاً الى تردي الخدمات و تآكل البنية التحتية و شعور الاردنيين بدفع ثمن كبير جراء غياب سياسات الامن المجتمعي، حيث أضحى الاردني يشعر بحالة من الغربة في الوطن.
مكافحة التطرف
مع استشهاد الطيار الاردني معاذ الكساسبة عاد موضوع استهداف الداخل الاردني من قبل الجماعات الارهابية ليشغل حيزاً كبيراً من نقاشات الاردنيين.
لم يتم التعامل مع ظاهرة التطرف بجدية الى الان في الاردن، على العكس تماماً فان السكوت عن الظاهرة و تعقيداتها و حتى اساسات نموها في الاردن يساهم يومياً في تعقيد المشهد و ازدياد صعوبة التعامل معه مستقبلاً مع العلم ان حادثة الشهيد الكساسبة قدمت فرصة مهمة للسياسة الاردنية للانتقال لمرحلة تطبيق حقيقي لاستراتيجيات مكافحة التطرف و مواجهته على الارض الا ان غياب الرؤية النظرية والاجراءات التنفيذية كانت وراء تبديد هذه الفرصة.
في المقابل لا يمكن الاستمرار في السكوت عن كثير من التفاصيل الحياتية اليومية في المجتمع الاردني و التي تعزز معالم التطرف في البلاد خصوصاً مع تعاظم المخاطر الاقليمية الناتجة عن النمو الارهابي و انعكاساته على الداخل الاردني.
ما يحتاجه الاردن اليوم هو تطبيق استراتيجيات نهضة مجتمعية وزرع بذور ثورة ثقافية تنويرية تبدأ من تغير شكل المشهد المجتمعي مروراً بالمناهج المدرسية و المستوى التعليمي و الاكاديمي و انتهاءاً ببث روح الحياة في كثير من المدن الاردنية التي تعاني اليوم من تفوق ثقافة الموت على ثقافة الحياة.
الخلاصة
الاردن امام مفترق طرق خطير و رئيسي، و الاعتقاد بان ادارة البلاد بنفس الطرق التقليدية التي تم اعتمادها في السنوات الماضية هو خطأ لا يمكن السكوت عنه اليوم. كذلك هو اغتصاب المشهد السياسي من قبل فئة باتت خارج اطار التعبير الشعبي الاردني و لا يمكن ان تعبر عن طموحاته المستقبلية. الاردن بحاجة لارادة سياسية قادرة على انجاز ثورة حقيقية تفرض نمطاً سياسياً و ادارياً جديداً على اسلوب ادارة الدولة و تخرج الدولة الاردنية من مأزق الحلول المؤقتة و الادارة اليومية الى مرحلة الاستراتيجيات طويلة الامد القادرة على احداث تغييرات جذرية في نهج اسلوب الادارة الاردنية. للاسف فانالمشهد السوداوي الذي يسود المنطقة يؤكد على ضرورة الاسراع في احداث هذه التغيرات في محاولة لاعطاء بوادر من الامل للكثير من الشباب المحبط، اما الفشل في اجراء هذه المراجعات و الاقتصار على الاجراءات الشكلية فانه للاسف لن يزيد هذا المشهد السوداوي الا سوداوية
الراي اليوم