فنانون يقرأون (التراب الأحمر) أنموذجاً على الدراما الأردنية

جفرا نيوز - يُعرض على شاشة التلفزيون الأردني مسلسل(التراب الأحمر) الذي أخرجه عام 2001 بسام المصري، وكتب نصّه مدير عام المركز الثقافي الملكي محمد أبو سماقة. وينقل العمل، الذي أنتجه التلفزيون الأردني، ارتباط الناس بالأرض وحرصهم عليها أمام ما يعترضهم من مغريات في ظلّ الحاجات الصعبة والتحديات الكبيرة في ذلك. وتحمل حكايته مفاصل حياة المزارعين بين زحف المصانع وطمع التجار واليقين من عطاء الأرض، في انخراط أهل القرية المتعلمين وقيامهم بدورهم التوعوي في التنبيه على أخطار التخلي عن الشجر ورائحة الأرض باتجاه المستثمرين، وأدّى أدواره: داوود جلاجل، وشايش النعيمي، ويوسف الجمل، وعبد الكريم القواسمي، وسميرة خوري، ومارغو أصلان، وحسين الخطيب، وشاكر جابر، وتحسين خوالده، ووليد البرماوي، وساندرا ماضي، ونادرة عمران، وعلي عبد العزيز، وقاسم ملكاوي، وليل فتياني، وحسين الشيخ، وضياء جلاجل، وعبد الإله رشيد. ويحظى المسلسل بحضور كبير، خصوصاً وهو يعرض في فترة ما بعد القيلولة ما يتيح استذكار تلك الأعمال التي عُرفت بها الدراما المحليّة، ويضعنا بصورة مثل هذه الأعمال في الحكمة من إعادة عرضها اليوم، وتعريف الأجيال الجديدة بأهميتها وما تحمله من مضامين. تالياً، سنتجاوز عرض حكاية (التراب الأحمر)، الذي مثّل فيه نخبة من فنانينا الرواد والشباب، إلى قراءة (سؤال المُنتَج)، وكتابة النصّ في سياقينِ تغيرت بينهما الظروف، والحفاظ على الخيط الذي يربط بين الأزمان ويحفظ للأصالة دورها في تغوّل التجريب- على موضوعيّته- والتنافذ على شيء من قلق الفنان الأردني على مصيره وقبوله بالمتاح لمغالبة ظروف الحياة. التلفزيون الأردني تتأكّد أهمية الخطة الاستراتيجية لإدارة التلفزيون الأردني في تمثّلها ما مضى من أعمال أردنيّة، وقد تكون أنتجتها، والتذكير بها وبفتراتها الزمنيّة، واستحضار شخوصها وظروفها، خصوصاً وأنّ أعمالاً أردنيّة تحظى بمشاهدة عربيّة في قنوات خليجية متخصصة، من مثل (الأماكن)، و(رويال بدويّة)، وما شابه، وهي قنوات اختبرت مشاهديها الأردنيين والعرب في إعادة إبداعاتنا- المحكومة بزمنها وسياقها المرحلي- واللافت أنّ حكاية مثل هذه الأعمال لا يملّها المشاهد أو يعرض عنها على بساطتها ورسائلها الاجتماعية التي تمرر في شرط انتصار الخير على الشر والتعريف في ثنايا ذلك بقيم البطولة والجغرافية الأردنيّة الأصيلة في المكوّن الحغرافي العربي، و(توهيج) الذاكرة والهويّة، وهي مهمّة نبيلة في أن تحتفظ التلفزيونات العربية بأرشيفها الوطني، ومن بينها الأردن الذي يتوافر على الكثير. بين زمنين تغدو المقايسة بين الفترات في الأرشيف الوطني بهدف إغفال القديم وصولاً إلى المواكبة والحداثة- على أهميتها، وهو هنا في حالتنا العمل الدرامي،.. مقايسةً ظالمةً، فما هو جديد اليوم ينتابه في سياق زمني لاحق شيءٌ من القدم، وقد كان في فترته وظرفه التاريخي عملاً من الحداثة والتجديد، فمن ذلك لا يمكن إنكار الماضي على يسره وبساطته ومحدوديّة النظرة فيه ومرحليّته، بحجّة أنّنا اليوم أمام ظرفٍ مختلف في معطياته وظروفه وآفاقه، فهناك سؤال الهويّة الذي تجسّده الدراما، وتبدو أهميّته في أنّ الدول إنّما تفزع إلى موروثها ومكتسباتها التاريخية لمواجهة ما يستجّد ويشكّل خطراً، خصوصاً في زمنٍ تجاوزنا فيه كون العالم قريةً صغيرة إلى الاختراقات الثقافيّة، وبروز مسميات التصالح مع الثقافات الجديدة والانفتاح عليها وفي جانب آخر إيمان النخب والمثقفين بتحصين المجتمعات من الاختراق الثقافي والإبقاء على (الجذوة) بالضدّ مما يهدد الكينونة بكلّ ما يشكّلها من أركان ومقوّمات. جلاجل: المساحة الإنسانية يؤكّد الفنان داود جلاجل المساحة الإنسانيّة للعلاقات الاجتماعيّة في(التراب الأحمر)، ومقدرة كاتب النص أبو سماقة في نصّه الدرامي الأوّل، ومدى ما تركه العمل من تأثير في وجدان الشارع وروحه، فمثل هذه الأعمال، كما يرى جلاجل، تظلّ محطّ متابعة السواد الأعظم من البسطاء في الأرياف والبوادي، لحملها علاقاتهم بالأرض وقلقهم الدائم عليها، وهي علاقات كما يؤكّد تتعدى قطعة الأرض الماديّة إلى محمول الوطن بكلّيته، استناداً إلى المداخل التي ننطلق من خلالها في تلقي مثل هذه النصوص. ويرى أنّ الكاتب في نصّه الأوّل بشّر بمبدع يمكن أن يلتقط كثيراً من الإشارات ويؤلّف بينها لخدمة الغرض موضوع الاهتمام أو قيد المعالجة الدراميّة، ومن جهة أخرى، يُعرب جلاجل عن أسفه لئلا يستمر أبو سماقة بعد (التراب الأحمر)، مستدركاً بأنّ هذا الكاتب في احتضانه المواهب والطاقات الإبداعية في المركز الثقافي الملكي وانحيازه إلى جانب الفنان الأردني مؤسسياً، ربّما تتاح له الظروف لأن يكتب أعمالاً شبيهة وبمعالجات موضوعيّة تتناسب والظرف. وينبّه جلاجل، المشارك في العمل، على محاذير كتابة النصّ الدرامي، في مخاطبة المتلقي بشرائحه المتوخّاة وإحساسه بالقضيّة التي يرمي إليها، ودرجة إقناعه الفئة المستهدفة أو صاحب القرار الذي يلتقط الرسالة الوطنيّة من هذه الأعمال، ويجد جلاجل أنّ معطيات الحياة اليوم باتت شديدة الصلة والقربى، لدرجة أن الكاتب لا يستطيع أن يفصل المغزى السياسي عن الثيمة الاجتماعيّة وبقية متغيرات الحياة، مهتماً بقلسفة العمل. ويعتقد جلاجل أنّ خيطاً رفيعاً بين (التجريب) و(التخريب)، داعياً إلى الأثر أو صدمة المتلقي وإنعاش ذاكرته وعدم إغفال مراحل التطوّر والانفتاح والمرحليّة في بناء المجتمعات، غير منكر للحداثة ومعطياتها، مؤكّداً قيمة أعمالنا الدراميّة التي حملت تفكيرنا ورؤيتنا للمحيط على أكثر من صعيد. ويعرب عن تقديره للتلفزيون الأردني في إعادة عرضه الأعمال القديمة والتذكير بها اليوم، انطلاقاً من الذاكرة التي لا يجوز أن تُترك عرضةً للتناسي أو الاندثار.
جابر: دعم الفنان يهتم الفنان المشارك في (التراب الأحمر) شاكر جابر بأعمال تبقى في الذاكرة وتنطلق من البيئة الأردنية، ومن حيث التطبيق يعرب عن أسفه لمعضلة (الإنتاج) ودور هذا العنصر المهم امام الدراما الأردنيّة. ويجد جابر أنّ اقتراح الأعمال التي تحمل القيم الوطنية التي تنطلق من الأرض وتسبغ عليها ثمار المحبة والانتماء والبقاء، إنّما هو اقتراح نبيل، لكنّه يربط ذلك بالمقدرة المالية في الإنتاج، التي يراها تتحكم في الفنان، فيضطر للقبول بها والانخراط في دائرتها ارتهاناً لشرط العمل ليس إلا، ويعرب عن خوفه مما ينتظر الفنان الأردني في ظلّ البطالة وعدم وجود القرار الذي يطلق هذه الطاقات تعمل كما كانت من قبل، مقارناً بين فترات مهمة في هذا المجال، داعياً إلى (قرار سياسي) يدعم مثل هذه الأعمال القروية التي نشتم من خلالها رائحة الأرض والتراث والناس، بصفتها أعمالاً إنسانيّة بعيدة عن أيّة أيديولوجيّات. ويرى جابر أنّ التخلي عن الفنان الأردني يضعه في وضع الخيار الواحد، والقبول بالعمل مهما كانت خطورته وتأثيره، بدافع لقمة الخبز. خوري: الألق التراثي تنظر الفنانة سميرة خوري الني مثّلت دور الأم في مسلسل (التراب الأحمر) أنّ الواجب الوطني يملي على المهتمين وصانعي القرار الاهتمام بالفنان الأردني واحترام جهده في ما قدّم في الماضي والحاضر وما يواكبه من حداثة، وتنقل خوري أنّ الجمهور المحلي يتابع حتى في محال البيع وفي غير مكان المسلسلات القديمة ذات النكهة التراثية والألق الذي لا يزول، وتقول إنّ حالة الضنك التي يعيشها الفنان لدينا تدعو إلى القرار الشامل الذي يحفظ الكرامة ويشجع على الإبداع والعطاء. وتستذكر خوري الطقوس الخاصة في المسلسل عام 2001، واجدةً الحال تتشابه بين الأمس واليوم، مؤكّدةً عراقة العمل الأصيل الذي يخاطب كلّ الأجيال ويدعو إلى التمسك بالأرض في حكايات مهما كانت بسيطة فإنّها يقبلها الجمهور الأردني والعربي إدراكاً منه لأهميتها وفلسفتها التي يرجوها كاتب النص من قبل. وتؤكّد خوري أنّ الفنان الأردني هو وسيط مهم ولا غنى عنه لحمل الفكرة الوطنية والتعبير عنها، فلا أقل من استثماره وحل ما يعترض طريق إبداعه من مشكلات.
خليفة: تكافؤ الفرص يبدي الفنان الإعلامي أسعد خليفة ارتياحه لإعادة عرض أعمال سابقة، انطلاقاً من إنصاف أعمال لم تُتتح لها ظروف عرضها، فأعرض عنها الجمهور، بل لم تلق حظّها من العناية وتأكيد البصمة، ويرى خليفة أهميّة ما أسماه (الظروف الموازية) التي تؤسس لمبدأ تكافؤ الفرص بين الأعمال المحلية والعربيّة أو التي انطمست ولم تأخذ فرصتها بسبب من انحياز المشاهد إلى العمل العربي وتعلّقه بنجومه، في حين لا يفطن مشاهدنا إلى أعمالنا وفناننا حامل راية الوطن في أكثر من مجال، وهو انحياز يراه خليفة ناشئاً عن إهمالنا التذكير بما لدينا من أعمال. ويرى خليفة أنّ عرض مسلسل (التراب الأحمر) وغيره من هذه الأعمال إنّما يعيد ألقاً لمسلسلات كان يمكن ان نتداولها بتعزيز عرضها من قبل كاتب النص والمخرج والفنان، مدللاً بأعمال محليّة عولجت فيها القصة ذاتها محلياً وعربياً وانحزنا خلالها إلى العمل العربي، فانقطع بهذا الانحياز ما كان يمكن أن يناله الفنان المظلوم من شهرة، وإذ تُعاد اليوم فإنّ شيئاً من الإنصاف كما يرى خليفة يعيد إليها شيئاً من حقها المهضوم. ويضيف خليفة أنّ تعطيل مثل هذه الأعمال مدة خمسة عشر عاماً مسؤولية ضمير، مردداً قوله بأنّ النهايات هي بدايات لما بعدها، مشيداً بإدارة التلفزيون الأردني الحالية في المساحات الفنيّة الممتازة في إحيائها الأعمال القديمة، متمنياً فصل الإنتاج عن إدارة البث؛ مدللاً بأنّ البث له شروطه ودراساته الموضوعيّة التي تقيّم مواعيد الذروة والمشاهدة والأمزجة بقصد الترويج. ويهتم بتذكير الأجيال وربطها بتاريخها والانطلاق منه، عبر شعارات يعتني بها في التعلّم والتعليم، والبقاء على صلة بذلك الزمان، دون معطيات العصر وما يجيء به من شروط. حلمي: المعالجة الجادة الفنان المخرج محمد حلمي يرى أنّ إدارة متفهّمة للتلفزيون الأردني تدعم التوجهات الوطنيّة في العناية بالمسلسلات المحليّة القديمة والحديثة، مبيّناً أنّ المسلسل الحديث يحمل العبق ذاته الذي كان يحمله في السابق، مؤكّداً المعالجة الجادة وتسويق الأردن بمقوماته الطبيعية وإتاحة الفرصة للشباب الفنانين ليأخذوا دورهم في هذا المجال. ويؤكّد حلمي أهميّة أن ننحاز لأعمالنا الفنيّة في دعمها مقدّراً الجهود المؤمنة بإبداعات محلية باتت ذات مشاهدة كبيرة، ويرى أن نتسامح في الأعمال القديمة والحديثة وأن نظلّ مهجوسين بهاجس الإبداع الذي يتواصل بين الأمس واليوم.
أبو سماقة: سؤال الإنتاج يرى كاتب النص محمد أبو سماقة أنّ الدم والأرض مرتبطان أشدّ الارتباط، ومن ذلك جاءت التسمية لتحثّ على الانتماء والتضحية، فلا تقف المسألة عند قطعة أرض بل تتجاوزها إلى المفهوم الأشمل باستنطاق أحوال القرية الوادعة محلّ التنازع على كنوزها، محاولاً أن يلقي الضوء على هموم الزراعة والناس والواقع، دون أن يمنع ذلك دلالات يفهمها الباحث عنها في هذا العمل. ويرى أبو سماقة الدراما الواقعيّة متصلةً بالمرحلة وطبيعة الفئة المستهدفة والمضامين التي ينشدها الكاتب والمخرج، مهتماً بأعمال فرض واقعيتها الظرف وشرائح المجتمع، لبث الرسائل الاجتماعية والتوجيه والتعليم ومعالجة كثير من القضايا ذات الصلة. ويشخّص أبو سماقة مشكلة الدراما الأردنيّة بأنّها لم تأخذ في هذه الظروف فرصتها الحقيقية، مؤكّداً تسيّدها كل الشاشات لو أعطيت مجالها ودعمت على مستوى الإنتاج، مبيناً أنّ ما ينتج اليوم عدد قليل من الأعمال ويمكن أن نستعيد الألق إن اشتغلنا بدافع المنافسة والتفوق. ويقول، في سؤاله عن اهتمامه بالدراما كونه اشتغل في أفلام توثيقية سياحيّة بما تتنافذ عليه من تراث وطبيعة تحتاج إلى تسويق، إنّ بذهنه أن يلقي الضوء على الموارد المحلية من آثار ومعالم ومكتسبات تراثية، معايناً إشكالية الإنتاج وتقيّده بشرط المشهديات السينمائيّة، معترفاً باحتياج ذلك إلى مقدّرات إنتاجيّة وكلفة عالية قد لا تتوفر، ما يشيع نوعاً من التحدي، معرباً عن اعتزازه بالمخرج الأردني الذي فرض اسمه عربياً، ولكنه يواجه مع كاتب النص مشكلة الإنتاج. وفي السياق يرى أبو سماقة النصوص الأردنية ذات جودة في معظمها، كاشفاً عن تداوله لرواية محليّة يشتغل عليها سيناريو، مستعيداً اشتغاله في السياحة منذ بداية التسعينات حتى 2005. ويعرب عن تقديره لإدارة التلفزيون ورؤية الروائي رمضان رواشدة في حضوره ومتابعته واهتمامه بما يربط المواطن بأرضه، مؤيّداً هذا التوجه في التذكير بالأعمال الأردنية واستكتاب المؤسسة المتخصصين في الإذاعة والتلفزيون. ويعترف أبو سماقة بأنّه لا بدّ من المواكبة، وعدم إنكار القرية الحديثة مع تأكيد بصمتها وخصوصيتها التي هي جزء مهم من خصوصية المجتمع الأدرني وهويته، وهي بيئة درامية تختلف كما قال عن قرية الستينات والسبعينات والثمانينات، فلا يضير الدراما الأردنيّة أن تتناول هذا المكتسب الاجتماعي المميز بشيء من التجديد. ينطلق أبو سماقة ابن القرية من إحساسه وترجمته لأقوال الناس في افتداء الأرض بالدم، ناقلاً ذلك في تجربته الدرامية الأولى(التراب الأحمر)، مؤكداً معنى الصورة السينمائيّة، مهتماً بورشة سيناريو تدرس تحولات المجتمع الأردني في كل المجالات وتترجمها عملاً درامياً مهماً، ويعتقد بأن جرش وضانا وخزنة البترا هي أبطال حقيقية في النصوص المحلية ولا بدّ من الالتفات إليها والاتكاء على ما تقدّمه لعين الكاتب والمخرج من رؤى وأفكار.الراي