رسالة الفصح 2015 المطران مارون لحام، مطران اللاتين في الأردن
جفرا نيوز- يقدّم الانجيل المقدّس حدث القيامة على أنه خلق جديد يشبه الخلق الأول، خلق آدم وحوّاء، والذي تبعته الخطيئة حالا. الخطيئة أي رفض الانسان لما يريده الله. ومنذ أول لحظات القيامة، نجد نفس الرفض. يتكلّم انجيل القديس متّى عن نوعين من اللقاءات بعد حدث القيامة: لقاء بين يسوع والنساء اللواتي ذهبن ليحملن البشرى الى التلاميذ، ولقاء بين رؤساء الكهنة وحرس القبر الذين يذهبون هم أيضًا الى رؤساء الشعب ليخبروهم بما حدث. اللقاء الأول ينتهي بالإيمان بقيامة الرب، واللقاء الثاني ينتهي بالرشوة والرفض واختلاق إشاعة تنفي القيامة. في البدء: خلق وخطيئة أي رفض، وفي القيامة:خلق جديد ورفض جديد أي خطيئة جديدة. هكذا كان وهكذا الآن، وهكذا الى الأبد. هناك من هو مع لله وهناك من هو ضد الله ويرفض الله.
يتكلّم القديس بطرس عن نفس الموقفين في أوّل خطاب له الى الشعب يوم العنصرة: " المسيح الذى صلبتموه (الرفض) أقامه الله (خلق جديد). هذه هي بشرى بطرس، وهذه هي بشرى الكنيسة، وهذه هي بشرى كلِّ مؤمن كلَّ يوم إلى انتهاء الدهر. فالقيامة هي التي تعطي المعنى لكل أحداث الحياة، هي مفتاح القراءة لأحداث الآلام، وبدون القيامة لا معنى لأي شئ. قال بولس الرسول: "لو لم يقم المسيح لكان ايماننا باطلاً ولكنّا أتعس الناس".
لذا أنا مؤمن بقدر ما أنا رسول. وأنا رسول بقدر ما أُعلن هذه الحقيقة، وبقدر ما أعيش هذه الحقيقة في حياتي بألف شكل وشكل. وهذه الحقيقة مفادها أن القيامة تعني كسرَ شوكة الموت وانتصار الحياة، تعني هزيمة الشر أمام الخير، تعنى ذوبان الحقد أمام قوّة المحبة، تعني انقشاع الظلمة أمام زحف النور، تعني موت الموت.
انا مؤمن وأنا رسول اذًا بقدر ما أومن بالحياة، وبقدر ما أُثمّنُ الحياة، وبقدر ما أدافع عن الحياة، وبقدر ما أشهد لقيمة الحياة وأعيشها، بقدر ما أعلم بيقين لا يتزعزع أن الله يخلّصني من الموت كما خلّص المسيح، من كلّ أنواع الموت والألم والمذلّة والإهانة والقهر والتحقّن. أنا مدعو، بقوّة المسيح المنتصر، إلى عدم الاستسلام إلى التعب أو الخوف أو الضعف أو الهروب أو العيش على آلام الآخرين ومعانتهم. أنا مدعو الى أن أكون رسولا وأن أشهد أن الله، بموت المسيح وقيامته، خلّصني وخلّص شعبي وخلص الكنيسة وخلّص كل انسان. ويقين الخلاص هذا يحملني على مواجهة صعاب الحياة- وما أكثرها اليوم من حروب وتشريد واضطهاد - كما واجه المسيح واقع الألم، بكرامة وصبر وحرية وقوّة ومحبة.
"المسيح الذي صلبتموه، أقامه الله". هذا هو سبب فرحنا اليوم. الانسان المسيحي انسان مؤمن، والإنسان المؤمن انسان فَرِح، وسبب فرحه هو أنه يحمل في قلبه إيمانا بالله وثقة بالله ومحبة لله وللإخوة مؤسسةً على محبة الله الذي بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية. المسيح وحده، بموته وقيامته، يستطيع أن يعطي المعنى الصحيح لكلّ أحداث الحياة، وأن يضعها في فلك محبة الله ومحبة القريب. الشرط الوحيد للوصول الى هذه القناعة هو الايمان.
في عيد الفصح هذا العام ، نرفع أكفّ التسبيح والضراعة مع بخور المساء، إلى الاله القادر على دحر قوى الشر والظلام والموت، ونصلي أولا من أجل وطننا الأردني العزيز، بقيادته الهاشمية، وشعبه والواعي، لكي يتمكّن من الاستمرار في رسالة المحبة والحوار التي ينتهجها منذ نشأته، ومن أجل كل سكان الأردن من مواطنين ووافدين، لكي يمنحهم الرب أياما سلامية وطمأنينة وصحة وعافية، ونصلي من أجل النية العزيزة الغالية على قلوب البشر أجمعين، ألا وهي عطية السلام، ففي وقت تراق فيه الدماء البريئة في بقاع عديدة من الأرض، وما زال السلاح بيد انسان يقتل أخاه الانسان، نصلي لكي تتوقف لغة القتل والعنف والتطرف والإرهاب، لتنشأ لغة المحبة والمصالحة، في القلوب البشرية، ولشعوب المنطقة المشتعلة التي نعيش في وسطها، كما وفي العالم أجمع.
يوم القيامة، يوم الفرح، يوم الايمان الذي يتحدّى كل قوى الشر في العالم وينشد " المسيح قام، حقا قام، آمين، هللويا".
وكل عام وأنتم وبخير
+ المطران مارون لحام
مطران اللاتين في الأردن
أحد القيامة