ظلم إخواننا المغتربين إلى متى؟!
جفرا نيوز - محمد داودية - ردَّ لي الفيسبوك مئات الأصدقاء الأعزاء الذين هاجروا وانقطعت أخبارهم، وتبدلت عناوينهم عشرات المرات في عشرات السنوات، فقد كنت سفيرا في جاكرتا عندما تم قبول ابني حسن وصديقيه زيد جمال أبو عابد وسيف مهند العفوري في إحدى الجامعات في لوس انجيليس بولاية كاليفورنيا الأمريكية. الصديق عيسى بطارسة الشاعر المهاجر كان هناك على الفيسبوك وكان للمصادفة الجميلة هو والكابتن الطيار فرّاج فراج دبابنة والأب إميل حداد في لوس انجيليس. أما الأصدقاء المهاجرون الآخرون: سرحان النمري وسمير نواف وتوفيق النمري ورياض النمري وفايز عودة والياس القسيس فكانوا في ولايات أمريكية أخرى. ركبنا الطائرة التايلاندية من جاكرتا إلى لوس انجيليس، أنا وحسن وزيد ابن أخي الكابتن جمال أبو عابد والتحق بنا سيف ابن الصديق مهند العفوري، طلبت فسحة من الوقت من أصدقائي ريثما نعثر على شقة مناسبة للشباب وجدناها في الحي الأرمني الآمن الجميل، وقمنا بتأثيثها. دخلت في أجواء أردنية بكامل عطرها ودفئها وحميميتها، التقيت في جمعية الأردنيين في جنوب كاليفورنيا بالجالية الأردنية التي تتدفق وطنية ووفاء وانتماء وحنينا ومشاعر فياضة لوطن لا ينقطعون عن التغني به وزيارته، الأغاني والصور والاعلام والأجواء جعلتني احس انني في سفارة اردنية، فالشيخ فارس حداد رئيس الجمعية يتولى الإنفاق على الجمعية بفرح، كأنه ينفق على أبنائه، وسيداتنا الأردنيات هناك اعددن الأطباق والحلوى الأردنية، كأنك في عجلون والحصن والسلط ومادبا والفحيص والكرك. وفي منزل الحميم عيسى بطارسة كانت المناسف لاتزال تحمل لون قرية سوف ومذاقها وعطر جميدها، كانت ام رائد الرحبة الكريمة تضفي على الحضرة بهاءها وطيبتها، وأيقونة الأردنيين القومي التقدمي يعقوب خوري في كامل دماثته وحرصه على الوطن ويفيض عذوبة ووطنية صديقي وزميلي في إعلام الديوان الملكي الفقيد حنا فراج دبابنة الذي أصر على ركوب الطائرة ومفاجأتي بالحضور إلى حفل العشاء بصحبة الكابتن الوسيم الشديد الانتماء فراج فراج. علي العطيات بيته في لوس انجيليس ديوان أردني وهو انموذج حار للأردني الحار في المهجر، لايزال علي على الشهامة والطيبة والكرم والعادات الحميدة التي يمارسها بفرح، فتجعله يقف فوق رأسك يقدم لك من كل أصناف الطعام بأبوة وأخوة وصداقة نادرة. أما بطل الدفاعات عن النفس سمير جابر فذلك حكاية، كرم لا يدانى، واهتمام لا حدود له، وألفة تجعله يمسك بالقلب، ويزيد ذلك كله بهاء أن زوجته هي كريمة الشهيد الجليل الطيار موفق السلطي. كانت تلك هي اللقاءات الأولى للثلاثة شباب بالجالية الأردنية في أميركا، فخرجوا بأكثر الانطباعات جمالا عن وطنهم وناسه. ولاحقا تعززت تلك الانطباعات الجميلة بلقائهم المهندس النبيل خالد أبو عمرو وأسرته الودودة، رجل أسبغ على الشباب كرما بالغا وأبوّة فياضة أنستهم الغربة وحنين فاتحة الاغتراب. هؤلاء الأردنيون، إخوتنا وأخواتنا وأبناؤهم، وغيرهم مئات الألوف، المتوزعون على جهات الكون الأربع، الذين يزينون منازلهم ومكاتبهم وجمعياتهم وقلوبهم بالوطن أعلاما وقصائد ولوحات وصورا، جنت عليهم تعديلات دستورية سلختهم عن وطنهم وعصفت بألابناء الذين اغترب آباؤهم لأسباب عديدة منها الدراسة والعمل ووجدوا أنفسهم يحملون تلقائيا جنسيات أخرى. تنطلق التعديلات الدستورية من فرضية ان الأردني الذي يحمل جنسية أخرى مشكوك في ولائه ولذلك تم حرمانه من تولي مناصب وزير وعين ونائب في حين أن غير الأردني الذي حصل على الجنسية الأردنية بالتجنس له حق تولي تلك الوظائف في مفارقة تؤشر على المادة 6 من الدستور التي تقول: "1- الأردنيون أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين". وتعالوا نأخذ حالة معالي الصديق جريس سماوي الذي يقول في كتاب استقالته: لقد حصلت على الجنسية الأمريكية في صغري بحكم الهجرة المؤقتة للعائلة آنذاك قبل أن أقرر الاستقرار نهائيا في بلدي قبل أكثر من 22 سنة ولقد حصلت في أميركا العلم والمعرفة والاطلاع وتعرضت إلى أعلى ما تنتجه مدينة مثل نيويورك من فن وثقافة ومسرح وموسيقى وفي لحظة ما في أواخر الثمانينيات طرحت على نفسي سؤال الهُوية: هل أُصبح أديبا مهجريا مثل جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي أم أعود إلى وطني فانتمي إليه؟ ذلك الوطن الذي كان رفيقي في حلي وترحالي أشم رائحة زيتونه وعنبه ودواليه وترابه مؤمنا بوطني الأردني الحبيب وبقريتي الفحيص وجذورها الغسانية العروبية حيث تهجأت في مدارسها لغتي الأولى وتعلمت في شوارعها وحواريها وملاعبها الانتماء للتراب الوطني والولاء للهاشميين". ورسالة صديقي جريس سماوي هي أطروحة في الانتماء الأشد عمقا وفي تبيان الظلم الذي لحق بابنائنا الغوالي الأعزاء الذين هاجروا وصاروا سفراء لوطنهم لم ينفكوا عنه ولن يفعلوا بل تزيدهم الغربة التصاقا بوطنهم واعتزازا بجذورهم الضاربة في أرواحهم