ذكريات معلم -7 انتحلتُ صفة صحافي وأطلقت المحابيس

جفرا نيوز - محمد داودية  عملت معلما في ست محافظات: 1- محافظة البلقاء: مدرسة سويمة عام 1966. 2- محافظة معان: مدرسة فلسطين، مدرسة بير أبو العلق، مدرسة بير الدباغات ومدرسة الشمّاخ أعوام 1966-1969. 3- محافظة الكرك: مدرسة مجرا عام 1969. 4- محافظة الطفيلة: مدرسة المعطن، مدرسة بصيرا ومدرسة حد أعوام 1970-1972. 5- محافظة المفرق: مدرسة الدجنية ومدرسة حمامة العموش "مديرا" ومدرسة عبد الله بن ابي رواحة في المفرق أعوام 1972-1977. 6- محافظة العاصمة: شهر واحد في المدرسة العبدلية عام 1977 استقلت بعدها وتفرغت للصحافة. "لفّيت" الأردن، عملت في عدة قرى في وسط الأردن وفي جنوبه وفي شماله، في ظروف غاية في القسوة عانى منها المعلمون والمعلمات كافة في الستينيات والسبعينيات، قرى كان فيها مدارس ومعلمون ومعلمات فقط، لم تكن فيها كهرباء ولا طرق ولاسيارات ولا بنوك ولا أي.تي.ام. ولا مخابز ولا ملاحم ولا مطاعم ولا عيادات صحية ولا مراكز طبية ولا صيدليات ولا كازيات ولا مساجد ولا مقاه ولا كوفي شوب ولا بيرغر كنج ولا بيتزا هت ولا مكدونالد ولا دور سينما ولا مسارح ولا مكتبات ولا هواتف ولا تلفزيونات ولا لاب توب ولا فيسبوك ولا واتساب. تغلغلت عميقا في تضاريس وطني، بمتعة وفرح، عرفت كيف يعيش أهلي، ماذا يأكلون وماذا يلبسون وكم يصرفون وكم يستدينون ومتى يسددون، والى اليوم تربطني اطيب العلاقات مع اهل القرى التي درست فيها ومع طلابي الذين كانوا بالنسبة لي بمثابة ابنائي. عملنا بعيدا عن أهلنا، حتى عطلتنا الأسبوعية كانت يوما واحدا فقط، وكنا نتحمم في السطل واللقن، ونغسل ملابسنا الداخلية والخارجية، ونخيط فتق الملابس والازرار المقطوعة ونكوي ونعجن ونخبز ونطبخ منسفا او مكمورة او مقلوبة ونجلي ونحطّب ونصيد ونذبح ونسلخ ونقطع الخروف وننتف ريش الطيور والدجاج ونطبخها. في بصيرا عام 1970 سكنّا مجموعة معلمي المدرسة في منزل غربي البلدة مكون من 3 غرف، خليل محمد الطرشان مدير المدرسة وعبد مقبل الهلول وإبراهيم العواجي القطاطشة ومحمد سالم القرارعة وموسى القرارعة وانا، كنت طبّاخ الفريق، يساعدني موسى القرارعة وكان عبد مقبل وإبراهيم العواجي "القناصين" ومديرنا خليل الطرشان ومحمد القرارعة مسؤولا التموين والجلي. ما زلت أحنّ الى تلك الأيام الجميلة وعندما ترشّحت لانتخابات مجلس النواب عن محافظة الطفيلة عام 1993 وقف الى جانبي بكل قوة وعزم وحميّة: خليل الطرشان وعبد مقبل الهلول وإبراهيم العواجي، ف"الرَّفَق" عزيز على الرجال. في مدرسة "المعطن" عملت بضعة شهور بمعية مدير المدرسة عطاالله ارحيّل البداينة الذي ظلت علاقتي به الى اليوم في ازهى حالاتها وما زلت انادي أبا وائل كلما ألقاه "مديري". وذات يوم -في المعطن- شتمني احد طلاب الصف السادس شتيمة من -الزنار وتحت- خزقت الشتيمة اذني، كنا في الفرصة الصباحية وكان الطالب مع طلاب اخرين، يجلسون تحت السور يتشمّسون وكنت اقف قرب السور عندما سمعت الطالب وهو يطلق الشتيمة، لم يكن يراني، قلت لنفسي: ان عرف الطالب انني سمعته فعليّ ان اعاقبه عقابا شديدا، يحفظ هيبتي امام الطلاب، كي لا يجسر احد منهم على التطاول على أي معلم. قررت ان اطبق قاعدة: "السفيه والجاهل أُخسره" أي تجاهله وازدريه، "مشيتها وبلعتها"، استدرت ورجعت، فلم يعرف الطالب انني سمعته، ولم يكن من تمام التربية ان أخلق – بل أدرأ- مشكلة يمكن ان لا تكون. في الدجنية عملت بمعية المهذب الطيب مدير المدرسة عواد الفنخور الخزاعلة الذي ربطتني علاقات طيبة به وبوالده أبو محمد ووالدته واشقائه وخاصة شقيقه محمود باشا فنخور الذي كان حينذاك طالبا في المفرق، واستمرت علاقاتي بصديقي الشيخ عواد المحمد الخزاعلة أبو نايف وصهره احمد الرجا الخزاعلة وبصديقي العزيز المعلم عبد الكريم عقاب الخالدي وبطلابي وخاصة طالبي الغالي ناصر الراشد الطرودي الخزاعلة وباسرته، ولما أصبحت وزيرا للشباب بادرت الى افتتاح مركز للشباب في بلدة الدجنية عام 1996. كنا نعيش في القرى التي نعلّم فيها، لم نكن زوارا عابرين، كنا "نعيش" في القرى، نعم نعيش بكل ما تحمل الكلمة من معنى. كنت ادخل في شراكة مع والد عواد الفنخور فنزرع ارضه قمحا وحمصا ليس بقصد الربح بل بقصد المتعة التي يحصل عليها الفلاحون وهم يراقبون السماء ينتظرون مطرها وغيثها ويراقبون الزرع ينمو الى ان يصبح قمحا نفرّكه او حمصا نشويه. بعد تناول وجبة الغداء واستراحة قصيرة كنا نذهب الى الملعب الترابي، المعلمون والطلاب، نلعب كرة القدم الى ان تغيب الشمس وتصبح الرؤية متعذرة، وفي الدجنية توليت تحطيم الصخور بـ"المهدّة" كي نمهد الملعب ما امكن. وكنا نرتب مباريات كرة قدم مع مدارس القرى المجاورة التي نذهب اليها ونعود منها على الاقدام. وكنت معلم كشافة، أتحرك مساء مع طلاب مدرستي الدجنية وحمامة العموش على الطريق المتجه الى جرش نمشي على علامات الكشافة نطبقها ونهتدي بها الى نقاط التجمع في أجواء اسرية حميمة لا مثيل لنقائها وصفائها. كنا في الطابور المدرسي الصباحي عندما لفت عواد فنخور انتباهي الى امرأة تنطلق بسرعة من بعيد تتوجه الى المدرسة، كانت تثير خلفها غبارا، قال لي عواد: أتعرف من تلك المرأة؟ قلت لا. قال هذه هي ام الطالب الذي عاقبته يوم امس، وهي امرأة قوية لن تتورع عن بهدلتنا ومسح الأرض بنا كلنا امام الطلاب. قلت له: خليني اتصرف. وصلت المرأة التي تقدح عيناها شررا وتقدح قدماها حجارة، واعين الطلاب تتحرك نحوها ونحونا تشفق علينا او تتشفى بنا، قالت بلهجة من قرر الحكم: وين المعلم الطفيلي؟ وتوجهت نحوي قائلة: لماذا تكسر خاطر ولدي وتضربه لماذا؟ قلت لها: حقك عليّ، هذه آخر مرة اعاقبه. واضفت: لن اسأل ابنك بعد اليوم ان جاء الى المدرسة او ان غاب، ان انجز فروضه المدرسية او لا. واضفت: ليس لي ولا للمعلمين علاقة بابنك. اوشكت المرأة على الانهيار، امتقع لونها وقالت بلهجة منكسرة: لا يا ولدي يا الطفيلي، لا، مو هيك، ابني ابنك اريده ان يتعلم. قلت لها بحزم وبصوت فاصل: لا ترجعي للمدرسة مرة ثانية، نحن أحنّ على ابنك منك والشغل شغلنا. ردت باستسلام: الولد ولدكم وانا ما لي شغل. عادت ادراجها تتلفت خلفها بين الفينة والأخرى وكأنها تظن انني سارسل ابنها خلفها او انني سأوسعه ضربا.كيف يصبحون مسؤولين أولئك الذين لا يعرفون قرى الأردن وباديتها ومخيماتها؟ اية قرارات ذات بعد شعبي انساني سيتخذون؟ في مجلس الوزراء قال وزير المالية ان أسعار الاعلاف ارتفعت من مصدرها، ولذلك أنسب لمجلس الوزراء برفع أسعار الاعلاف المدعومة على مربي المواشي والدواجن ايد رايه عدد من الوزراء وعارض بعضهم. كان عام انحباس الامطار وعام محل، انتكب فيه المزارعون ومربو المواشي فاصبحوا غير قادرين على اطعام مواشيهم فعمدوا الى بيع نصف القطيع لينفقوا على النصف الاخر وبدل ان يتم تخفيض أسعار بيع الاعلاف المدعومة لهم، يريد بعضهم من مجلس الوزراء ان يرفع عليهم الأسعار!! في مدرسة حمامة العموش، عملت بصحبة سميح شدّاد وإبراهيم السوقي ومصطفى الرابي واحمد العليمات. ذات يوم رأيت ان اجرب أسلوبا في كشف بعض الخزعبلات فاتفقت مع شاب نبيه من أهالي القرية الذي تنكر وحضر الى غرفة الإدارة، جمعت الطلاب في احدى الغرف وقلت لهم ان عرّافا ماهرا زارني واريدكم ان تلتقوا به. كان الرجل يعرف الطلاب بدقة شديدة ويعرف القليل عن المعلمين فزودته بالمعلومات اللازمة عنهم، دخل يتوكأ على عكاز وبادر قائلا الى احد المعلمين: انتم اثنان تجيبان النفع للدار، فصرخ المعلم نعم نعم انا وشقيقتي. وخاض "العرّاف" مع الطلاب والطالبات، فاصلا طويلا اذهلهم في معرفته ودقة معلوماته. اجلسته في غرفة الإدارة وعدت الى المعلمين والطلاب المذهولين وسألتهم هل أقنعكم الرجل؟ فأجابوا بالاجماع: نعم. ناديت "العرّاف" وطلبت منه ان يزيل اللحية المستعارة والضمادة التي على عينه والنظارة والفروة التي يرتديها والعكاز فلما فعل خمد حماس الطلاب، وادركوا ان الخداع ممكن والى درجة كبيرة أحيانا وان "العرّاف" وهم وغش. عملت في مدرسة عبد الله بن ابي رواحة في المفرق بمعية المدير الراقي طالب احمد الشواقفة – أبو نبيل (رئيس جامعة البلقاء التطبيقية الان) وحنا حداد وغازي هلال النمري-الباشا، ولما سقطت طائرة الشهيدة الملكة علياء يوم 9 شباط 1977 وهي في طريق العودة من زيارة مستشفى الطفيلة إثْر شكوى من سوء خدماته وتجهيزاته، عزمت على زيارة الدكتور محمد طايل الشواقفة-ابوزيد عم الأصدقاء رفيعي التهذيب والحضور رجل الاعمال نوفان والدكتور نايف الشواقفة، الذي عين مديرا للمستشفى. وفي سيارة السرفيس من عمان الى الطفيلة، يسّر الله لي راكبا، لم يتوقف عن تعداد المشاكل التي تعاني منها الطفيلة. قررت الاقدام على مغامرة وعلى فعل كبير خطير، له عواقب وخيمة، لن تطالني، ان انا اتقنت التمويه والتضليل. كان عدد من المعلمين موقوفين لخلاف مع مدير التربية الذي وجدوا زجاج سيارته محطما في الصباح، وكان عطاء بناء درج شاهق لمدرسة ثانوية قد شابه غش بيّن. وكان هناك من استولى على أراض قرب القادسية وحرثها بتواطؤ رسمي وتراكتورات رسمية!. قررت ان انتحل صفة صحافي لأتمكن من الكتابة عن تلك المشاكل من الداخل. كانت اول مستلزمات نجاح التضليل ان يكون معي مصور، فاتفقت مع الصديق المصور جمال مسودة وذهبنا معا الى المتصرف الحاكم الإداري الذي ابلغه الحاجب ان "الصحافي محمد داودية" من صحيفة "الاخبار" قادم من عمان ويطلب مقابلته. فُتحت لي الأبواب. وبعد شرب الشاي، عاتبت المتصرف (برفق) على حبس المعلمين وطالبت ان ازورهم في "النظارة" فاتصل هاتفيا بمدير الشرطة قائلا: الصحافي محمد داودية من صحيفة "الاخبار" في الطريق اليك فدعه يقابل المعلمين الموقوفين، قابلت المعلمين المحبوسين ورجعت الى المتصرف ناصحا ان يفرج عنهم ففعل، انتشر كالنار في الهشيم انني "اطلقت المحابيس" !! توجهت الى حيث المشاكل الأخرى وأجريت تحقيقات كانت اشبه بالتحقيقات الجنائية وكان المصور الصديق جمال معي لا يتوقف عن التقاط الصور وهو لا يعلم انه يساهم الى حد كبير في التضليل ويجعله كامل الاتقان. اخذت مجموعة الصور من جمال الذي طالبني بثمنها ولانني لا املك ثمنها فقد وعدته ان ترسله له إدارة صحيفة الاخبار لاحقا. عدت الى المفرق وكتبت تحقيقا مطولا مصورا بعنوان "الطفيلة تحت الصفر" رتبته ووضعت له مقدمة وصورا، ارسلتها الى راكان المجالي رئيس تحرير صحيفة الاخبار، فنشرها بعد عدة أيام في 4 حلقات تحت عنوان "الطفيلة 77″، انتشيت وانا أرى اسمي مطرزا على ورق الصحيفة، تحقيق: محمد حسن داودية. تصوير جمال مسودة. ولاحقا عندما طالبني جمال بثمن الصور قلت له انني وضعت اسمه على التحقيق الصحافي وهذا اكبر دعاية له، فغرق في الضحك و"مشّاها". بعد 3 أشهر ذهبت الى صحيفة الاخبار وتعرفت إلى راكان المجالي الذي عرّفني على فؤاد النمري مالك الصحيفة، دعاني النمري الى مكتبه وسألني: ماذا تشتغل يا محمد؟ قلت له: اعمل مدرسا. قال لي: انت خُلقت صحافيا ومكانك هنا معنا في الصحيفة، عرض عليّ فؤاد النمري-أبو فارس، ضعف راتبي الذي كان 45 دينارا، فوافقت واستقلت من وزارة التربية والتعليم بعد خدمة عزيزة على قلبي استمرت 11 عاما. اخذت قرار التفرغ للعمل في الصحافة في صيف عام 1977 وكانت نصائح جميع الأصدقاء تحذرني من الاقدام على تلك المغامرة لعدم استقرار الصحيفة، وحين تبرع الشهيد صدام حسين للصحافيين أعضاء نقابة الصحافيين الأردنيين بـ67 شقة، تم بناؤها في طبربور، كانت واحدة من أجملها من نصيبي.