اليمن يدخل مرحلة حرجة تهدد تماسكه الجغرافي

عمان - بلغ الوضع اليمني مرحلة حرجة قد تهدد تماسكه الجغرافي غداة سيطرة الحوثيين على مفاصل القرار السياسي في صنعاء، في مسعى قد تلجأ معه الجماعة الى الإبقاء على الرئيس عبدربه منصور هادي رئيسا رمزيا يمنحها غطاء شرعيا باستخدام جيش وطيران الدولة في صراعها للاستيلاء على منابع النفط والطاقة بمحافظات الجوف ومأرب مرورا بشبوة وحضرموت. وكما هو متوقع فقد خضعت الرئاسة اليمنية للشروط التي اعلنها زعيم جماعة انصار الله (الحوثيين) عبدالملك الحوثي اول من امس، اذ اصبحت الجماعة المتبوئ لموقع القوة الاول بلا منازع. ويرى محللون أن اليمن يتجه وفق تصور جماعة الحوثي لأن يكون "لبنان جديدا" تحرك السلطة فيه الجماعة وحلفاءها، خصوصا اذا ما تسنى للحوثي الوصول الى منفذ بحري في منطقة الحديدة يسهل لها التواصل مع الحليف الايراني. ويعتقد محللون أن إيران وراء تحريك الوضع في اليمن من أجل رفع سقف تفاوضها مع الدول الغربية حول ملفها النووي. واشترط الحوثي، في خطاب تلفزيوني مساء الثلاثاء، تصحيح وضع الهيئة الوطنية للإشراف على تنفيذ مخرجات الحوار، وتعديل مسودة الدستور، وتنفيذ اتفاق السلم والشراكة، وإجراء تغييرات أمنية وعسكرية، وهو ما أيده فيه الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح وحزبه المؤتمر الشعبي العام أمس. وذهب صالح الى حد دعوة الرئيس هادي الى اجراء انتخابات مبكرة للخروج من الأزمة التي تغرق اليمن. ودان مجلس الأمن الدولي ما قامت به جماعة الحوثي، مؤكدا وقوفه مع الرئيس هادي الذي يحظى بالشرعية الدولية. وأعلن المجلس عن عودة المبعوث الأممي جمال بن عمر إلى اليمن امس، في وقت تشهد فيه البلاد توترا متصاعدا انتقل إلى جنوبه. فبينما تعيش العاصمة صنعاء على وقع التصعيد الحوثي، يرى الحراك الجنوبي أن الوقت قد حان لإعلان الانفصال. في هذه الأثناء، قالت مصادر في محافظة عدن جنوب اليمن ان وفوداً من اللجان الشعبية المسلحة وصلت مساء الثلاثاء إلى المحافظة قادمة من محافظات أبين ولحج وشبوة بهدف إغلاق الحدود البرية بين جنوب اليمن وشماله، إضافة إلى إغلاق الموانئ الجوية والبحرية للمحافظة. الحراك الجنوبي سارع الى إصدار بيان أكد فيه "أن ما يجري في صنعاء هو انعكاس لتفاعلات تتصاعد منذ فترة ضمن إطار الصراع على مراكز القوة والقرار من أجل السيطرة على اليمن وأن الجنوب ليس طرفاً فيه". وجدد الحراك الجنوبي "الرفض المطلق لكافة المشاريع المنتقصة من حق شعبنا وبكافة اشكالها، ومنها مشاريع الفدرالية"، في اشارة الى رفضهم خطاب زعيم جماعة أنصار الله عبدالملك الحوثي الذي تمسك بشكل الدولة الحالي. ويرى ناشطون جنوبيون في خطاب الحوثي تجسيدا لرفضه قيام دولة في الجنوب، معتبرين انه "كغيره من القادة الشماليين طامع في الإبقاء على احتلال الجنوب". ويعتقد المحللون أن الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح، يمتطي الحصان الحوثي، ويستخدمه سلاحا وواجهة سياسية، في محاولة لفرض قيادات عسكرية وسياسية محسوبة عليه لتقود المرحلة الانتقالية، فيما يقوم هو بترتيب نظام سياسي جديد يعيده مباشرة، أو بشكل غير مباشر لإدارة البلاد. ويرى المحللون انه "سواء نصب عبدالملك الحوثي نفسه إماما، أو عاد صالح رئيسا، أو جاء من يورثونه الرئاسة، فإن اليمن دخل نفقا مظلما، سيتسبب في تفكيك الوحدة، وانفصال اليمن الجنوبي، وسيدفع بعض المناطق والمحافظات الشمالية إلى التمرد، وستتشكل جماعات مسلحة في ظل الفوضى تحاول منازعة القراصنة على الحكم". ويذهب رئيس الحكومة اليمنية السابق محمد سالم باسندوة الى القول: "إن المخلوع علي عبدالله صالح حاول الانقلاب على الرئيس عبدربه منصور هادي والقيام باعتقاله، لكن محاولاته فشلت، على الرغم من استخدامه كل الوسائل الممكنة للإطاحة بنظام هادي عبر أصدقائه القدامى في المؤسسة العسكرية والأمنية، وحلفائه الجدد في التنظيمات المسلحة كجماعة الحوثيين وأنصار الشريعة وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب والجناح المسلح في الحراك الجنوبي، وغيرهم". وكان تنظيم "القاعدة في جزيرة العرب" اصدر بيانًا توعد فيه الحوثيين بحرب شعواء، ودعا السُنة إلى الكفاح وحمل السلاح للحيلولة دون تكرار ما وصفها بتجربة العراق في اليمن. وحرص تنظيم القاعدة في كل إصداراته وأخباره، على وصف الجيش اليمني بـ"الجيش المتحوث" بعدما كان يصفه بـ"الجيش العميل". ويعتقد المحللون أن اليمن بات ساحة صراع بين السعودية وإيران، اذ ترفض الأولى النفوذ الحوثي في البلاد كونه يهدد نفوذها، فيما تدعمه الثانية. ويقول المحللون :"إن زعيم الحوثيين عبدالملك الحوثي استطاع أن يستفيد من فشل الدولة وسياسات التنمية وانتشار الفساد والنقمة على القوى القبلية التقليدية، لتحقيق تقدم سياسي، ترجمه ميدانيًّا بالسيطرة على الأرض". وترى السعودية ودول الخليج التي اعتبرت استيلاء الحوثيين على مؤسسات الدولة عملا انقلابيا مرفوضا، أن الجماعة تسعى إلى تقليد الدور الذي لعبه حزب الله في لبنان. وفضلاً عن وجود خطر استراتيجي آخر ينبع من اليمن، حيث يتمركز تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، مما يجعل المواجهة بين الحوثيين والتنظيم خطرا ماثلا للعيان قد ينفجر في أي لحظة، لاسيما أن التنظيم أعلن أن الحوثيين شيعة كفرة، ونظم هجمات انتحارية ضدهم، في حين تعهد الحوثيون بالقضاء على التنظيم. ويرى المحللون أن "الصراع في اليمن ظل لعقود بين الدولة الضعيفة والقبيلة التي كانت دولة داخل الدولة، وكان هناك تحالف غير معلن بينهما لبقاء الاولى في الواجهة الدولية امام العالم، مقابل الواجهه الاجتماعية للثانية". وقالوا ان "أحداث 2011-2015 أكدت هشاشة الدولة كمؤسسة عسكرية مركزية، وقوة اقتصادية، لكن شكلها بقي موجودا في حده الأدنى، مقابل اكتساح نفوذ القبيلة التي سجل العام 2011 بدء انهيار تحالفها مع الدولة، او من يمثلها، ما يعني تغير خريطة الصراع بالقضاء على من يمثل الدولة لصالح من يمثل القبيلة". واعتبروا ان "استيلاء الحوثيين على اليمن منذ ايلول(سبتمبر) الماضي وما استتبعه من تداعيات، يعد استهدافا للقبيلة بشكل واضح، إذ إنه لأول مرة تحدث إعادة تموضع داخل القبيلة اليمنية الكبرى، فتقوى القبائل الصغيرة للانقضاض على رأس القبيلة الكبيرة، ما أطاح بالعرف الاجتماعي، بعد ان اطيح بقوة القانون، وهيبته المؤسسية وان كانت هيبة شكلية". وقالوا ان ذلك يعني ان "القانون سقط والعرف كذلك، تحت اقدام الصراع القبلي - الايديولوجي، فبرزت قوى جديدة خارج إطار الدولة والقبيلة. أي خارج عرف القانون، ومشروعية العرف، قوى تفوض نفسها بقوة السلاح، وتجدد خريطة الصراع في اليمن، بطريقتها". واعتبروا ان "القوى الجديدة، سمحت بتنامي قوة "العصابات القتالية" التي تتشكل ليس وفق مفاهيم وأعراف اجتماعية، او قيم سياسية، بل وفقا لمصالح آنية بحتة". واوضحوا ان "العصابات القتالية، التي قوضت رأس القبيلة، لا يجمعها عرف او عَصب او قيم، بل مصلحة متمثلة بالقضاء على الخصم القبيلي، وقد تكونت من أعضاء من داخل القبيلة نفسها ومن خارجها، جماعات لا يجمع بينها الا الثأر اللحظي. وان كانت مؤقتا تحت راية الحوثيين، لكنها ليست قوى حوثية أصيلة". وفي مقاربة لافتة يرصد المحللون تشابها بين الوضعين اليمني والعراقي لافتين الى ان "القوى التي تتشكل مؤقتا تحت راية تنظيم القاعدة، الذي يجد له حاضنا شعبيا، وقبليا بسبب اجتثاث القبيلة، واقتلاع المؤسسة العسكرية، فتنتهز القاعدة الفرصة لتكون البديل المسلح او المقاومة الشعبية تماماً كما حدث في العراق". واضافوا ان "النية التوسعية عند الطرف الابرز في الصراع، تعمل على إسقاط ما تبقى من شكل ديكوري للدولة، مقابل بقاء البديل غائبا، وهذا لا يعني الا توسع رقعة العصابات القتالية، إما تحت راية الحوثي او تحت راية القاعدة" . هؤلاء يخلصون الى ان "أي شكل جديد للدولة، سيكون أضعف وأقل قدرة على الحسم، وسيكون مجبرا على ان يتبع احدى العصابات القتالية، ليبقى محايدا، وضعيفا، وهو ما يؤكد انتهاء عصر العرف والقبيلة في اليمن".