مرونة الرفاعي وجمود النسور في التعامل مع الأزمات
جفرا نيوز - خاص
قبل أربع سنوات من الآن وبنفس التوقيت قرر رئيس الوزراء آنذاك سمير الرفاعي زيادة رواتب جميع موظفي الدولة ومنتسبي القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والمؤسسات المستقلة والأهلية من بلديات وجامعات والمتقاعدين العسكريين والمدنيين مبلغ مقطوع مقداره 20 دينار شهريا ، وتخفيض نسبة الضريبة الخاصة المفروضة على مادتي الكاز والسولار وذلك في عام 2011 من ذات الشهر الذي نعيش فيه اليوم أجواء وانعكاسات قرار رئيس الوزراء الدكتور عبد الله النسور رفع الكهرباء 15%.
الرفاعي في ذلك اليوم التاريخي الذي انطلق فيه نواب المجلس السادس عشر بمناقشة عامة للأسعار بقي مستمعا لأكثر من سبع ساعات متواصلات يفكر فيها بكيفية التجاوب مع ما طرحه النواب آنذاك وبطريقة ترضي الشارع الأردني وتخفف من الواقع المأساوي الذي يعيشه المواطن ويحفظ لأعضاء البرلمان ماء وجههم أمام قواعدهم الانتخابية وجمهورهم .
لقد بقي الرفاعي مستمعا طيلة الساعات التي لم يبقى فيها نائبا إلا وتحدث عن هم المواطن . وخلال الاستراحة بين الجلستين الصباحية والمسائية استغل الرفاعي الاستراحة وذهب إلى التشاور مع فريقه الوزاري باحثا عن مخرج يرضي جميع الإطراف وينقذ العلاقة البرلمانية الحكومية من أي أزمة ربما تقع وذلك لإيمانه بان حسن العلاقة بين السلطتين تصب في مصلحة الوطن ولا تضره.
عاد الرفاعي لمقعده تحت قبة البرلمان وواصل النواب الإدلاء بكلماتهم وخطابتهم التي قدموها حتى وقف رئيس الوزراء الرفاعي مخاطبا الشعب الأردن من خلال ممثليهم النواب قائلا "تقديرا لجهود أعضاء مجلس النواب وتماشيا مع رغباتهم أقرر زيادة رواتب جميع موظفي الدولة المدنيين والعسكريين والمتقاعدين المدنيين والعسكريين مبلغ عشرون دينار وأقرر تخفيض الضريبة على مادتي الكاز والسولار".
وما أن انتهى الرئيس الرفاعي الإعلان عن قراره حتى سارع النواب مباشرة إلى التصفيق له والثناء على مرونته وسرعة تجاوبه مع الشارع الأردني وحفظ ماء وجههم أمام جمهورهم فكان حريصا على أن يبقى النائب صاحب مكانة عند أهله ومنتخبيه لإيمانه بان ممثل الشعب يجب أن يبقى دائما يحظى بتقدير السلطة التنفيذية لكي تبقى كرامته محفوظة أمام المواطنين .
قرار الرفاعي وتفاوض النواب معه لم يتجاوز ساعات قليلة حتى بدأ الرجل مرنا للغاية حريص على عدم ضياع الوقت في العناد والجمود وكأن البرلمان يتفاوض معه على بيع وطن لا قدر الله تعالى ، وإنما كان حريص كل الحرص على الإسراع في إنهاء المعضلة وإغلاق الملف والالتفاف إلى ملفات أخرى تخدم الوطن بدلا من المضي في المهاترات وتشكيك كل طرفا بالآخر كما هو حاصل اليوم بين السلطتين مع الأسف.
مع الأسف الشديد الرفاعي أقدم على خطوته بالرغم من أن أسعار النفط كانت تزيد عن 100 دولار للبرميل الواحد وحجم المساعدات اقل بكثير مما يصلنا اليوم بعد أن تقدم الإخوة الخليجيين بتقديم أكثر من مليار دولار للأردن على مدار خمس سنوات لا بل ولم يكن قد عرض الاقتصاد الوطني للخطر من خلال تسجيل رقما قياسيا في حجم المليارات التي استدانها من الخارج خلال فترة حكومته الأولى والثانية.
اليوم نواجه حالة مختلفة مع الرئيس النسور مقارنة بالرئيس الرفاعي فالأخير كان مرنا للغاية وليس معني في إشغال الدولة بمختلف أجهزتها ومؤسساتها والشعب الأردني بقرار واحد لأكثر من شهر بل عالج الأمر خلال ساعات،لكننا اليوم نواجه عنادا وإصرارا وجمودا لم يسبقه جمود وعناد من النسور في التعامل مع ملف رفع أسعار الكهرباء الذي انطلقت مفاوضاته بين حكومة النسور والشارع الأردني بمختلف قطاعاته ومؤسساته وبرلمانه منذ أكثر من شهر وما زلنا ننتظر حتى هذه اللحظة لعلى وعسى يقتنع ولو لمرة واحدة انه من الممكن أن يكون على خطأ وعشر مليون إنسان على صح.
الرفاعي مرن للغاية والنسور جامد وعنيد للغاية الأمر الذي دفع الاخير لمحاولة إقناع كل الشعب الأردني بما فيهم أعضاء البرلمان انه على حق وان كلامه صحيحا وانه في حال لم يتم رفع الكهرباء بالنسبة التي يريدها فان الأردن سينهار اقتصاديا وان العالم سيتخلى عن هذا الوطن وان العلاقات التي بناها الأردن منذ تأسيسه عام 1921 ورسختها العائلة الهاشمية على مر ملوكها وعززها جلالة الملك ودفع ثمنها رجالات الدولة الأردنية على مر التاريخ ستنهار وتسقط إذا لم يأخذ بقرار رجل العصر الدكتور النسور.
الرفاعي زاد رواتب الموظفين وهي آخر زيادة طرأت على رواتب الموظفين حتى الآن وخفض أسعار المحروقات بالرغم من انه لم يضيق على الشعب الأردني ولم يتخذ أي قرار اقتصادي شعر من خلاله المواطن أن الرجل تقصده ويسعى الى إفقاره وحل كافة القضايا الاقتصادية على حسابه ، وفعل النسور ما فعل مع الشعب الأردني وسجلت حكومته رقما قياسيا في اقتراض القروض من الخارج لتسجل أعلى نسبة قروض على الدولة الأردنية في عهد النسور ومن خلال الجولات المكوكية التي يقوم بها وزير ماليته أمية طوقان.
جمود النسور وعناده في ملف الكهرباء سبق وان تابعناه في ملفات كثير منها إصراره على عدم تغيير التوقيت الصيفي الأمر الذي تسبب في فقدان فتاة بريعان شبابها عندما تعرضت لجريمة قتل بشعة هزة الرأي العام الأردني الأمر الذي أدى إلى تهديد الشعب الأردني بتغيير الساعة من تلاقى نفسه مما اجبر النسور على الإعلان تحت الضغط بالعودة عن إلغاء التوقيت الشتوي.
كذلك ظهر رئيس الوزراء بكثير من المواقف معاندا لإرادة الشعب وحتى لوزراء في حكومته وللاحزاب والنقابات والاعلام في العديد من الملفات مثل تحرير اسعار المحروقات عام 2012 وكادت البلاد ان تنجر الى ما انجرت اليه دول الجوار لولا تدخل جلالة الملك ووعي الشعب الاردني وثقته بقيادته.
الأمثلة كثيرة على عناد وجمود عقلية النسور وغياب الأخذ بالراي الآخر عندما يصر على مواقفه ولا يمكن حصر هذه الأمثلة ، لكن السؤال الذي يفرض ذاته الى متى سيبقى النسور يعاني من الجمود والعناد؟ واين رجالات الدولة ومستشاريها من توجيهه نحو المرونة في القرار؟وهل سندفع الثمن غاليا بسبب عقلية النسور التي ترفض الاستماع للنصيحة وللرأي السديد؟ ام ان المرجعيات العليا أصبحت تدرك خطر هذا الانجماد وهذا الغلو على الدولة الأردنية في ظل مرورا بمرحلة حساسة تستوجب علينا مزيد من المرونة والسلاسة وليس العناد؟.