الرفاعي: تحميل الظروف الخارجية لعبيء الاقتصاد مبالغا فيها

جفرا نيوز - اعتبر رئيس الوزراء الأردني الأسبق سمير الرفاعي أن الواقع الاقتصادي المحلي بحاجة لـ"تشخيص بصورة دقيقة"، كون "الدّقة" نوعا ما "مغيّبة" عن التحليل في المشهد الأردني، رغم اتفاق الاطراف على "سوء اقتصاديات الدولة بصورة عامة".
الخطوة الأساسية نحو حل الأزمات الاقتصادية، حسب الرفاعي، هي "تحديد الأولويات وطريقة إدارتها"، ووجود "برنامج متكامل للتعامل معها".
الرئيس الأسبق الرفاعي، والذي ترأس العديد من المشاريع الانمائية، تحدث بانفتاح وتعمّق في التفاصيل، إذ اعتبر أن نسبة "تحميل" الظروف الخارجية، لعبء الاقتصاد "كان مبالغا فيها"، إذا ما قورنت بنسب الحديث عن "الأزمات الاقتصادية الداخلية التي أنتجناها بأنفسنا"، وفقا لحرفية ما قال.
الأزمات الخارجية بكل ما يقع تحت مظلتها من تحديات، وصفها الرفاعي، في حوار أجرته الزميلة فرح مرقه في مجلة Business Intelligence بـ"الصواعق التي نزلت على رأس الاقتصاد"، بدءا من انقطاع الغاز المصري، وليس انتهاءً بأزمة اللجوء السوري، وما رافق ملفه من "ضعف بالإدارة" وإستقطاب المعونات اللازمة والمتناسبة مع حجم الضرر الاقتصادي والاجتماعي والأمني الناجم عنها، مرورا بكل أزمات الجوار الملتهب وتأثيرها على الداخل الأردني.
و تحدّث تفصيلا عن كون الظروف الخارجية المذكورة، "حُمّلت بما يكفي" وِزر كل الازمات الاقتصادية الداخلية، رغم أن البعض منها خلقتها "جملة من القوانين والانظمة والقرارات الخاطئة أو المعطّلة"، والتي يمثّل تزايد منسوب "البطالة"، مثالا واضحا "وغير حصري" عليها اليوم.
ورغم أن الرفاعي يعتبر أن الأردن يخرج عن "المسار السليم اقتصاديا " أحيانا، إلا أنه أكد على كون الدولة "تستطيع تصويب المسار وتحويل التحديات إلى فرص والسير على الطريق الصحيح"، إن هي بدأت بمعالجة ما لديها من مشكلات متراكمة، بصورة صحيحة.
تشخيص !
"تهميش المشكلات الاقتصادية الداخلية بصورة جزئية"، تحدث عنها الرفاعي، باعتباره عمّق تلك المشكلات وزاد تعقيدها، بدلا من خلق فرصة لتفاديه وتبعاته.
الرفاعي قال إن "أزمة تزايد نسب البطالة، هي رأس هرم المشكلات، التي لا بد من علاجها بأقصى سرعة ممكنة"، موضحا أن أزمة البطالة مسببها الجذري كان "سياسات التعليم"، التي تحدّ من أفق الطلبة، ولا تخلق لديهم "فرص الإبداع".
"التعليم ينعكس مباشرة على مخرجات المؤسسات التعليمية، وموائمتها لسوق العمل، كما تظهر انعكاساته ايضا على ثقافة المجتمع تجاه العلم والتعلم، التي تنبثق عنها ثقافات مغلوطة مثل ما يسمى لدينا بـ ثقافة العيب على سبيل المثال".
سبب رئيسي في زيادة أعداد العاطلين عن العمل أيضا، بوجهة نظر الرفاعي، مرتبط بإشكالية اقتصادية كبرى في الأردن، وهي "ضعف الشراكة بين القطاعين العام والخاص"، الأمر الذي عبر الرئيس الشاب في سياقه عن "غبن" حكومي موسّع واقع على القطاع الخاص، يبدأ من عدم السماع لمطالب القطاع، ولا ينتهي بعدم استقرار القوانين التي تنظم العلاقة بين القطاعين.
وأوضح العين الرفاعي أن القطاع الخاص، مظلة واسعة، تعبر عن آراء جهات مثل: المؤسسات الاقتصادية الخاصة ونقابات الصناعة والتجارة والنقابات الإقتصادية والشركات غير الحكومية وحتى الشخصيات الإقتصادية، منبها إلى أهمية الأخذ بآراء كل هذه الفئات، وقيمتها المضافة على الاقتصاد المحلي وأهمية ارتياحها في الانضواء تحت مظلّته.
وأضاف الرفاعي ان "اقتصاديات العالم اجمع تذهب اليوم باتجاه توسيع دور القطاع الخاص، خاصة في ضوء محدودية الفرص التشغيلية التي يوفرها القطاع العام، ولما يزوّد فيه الخاص للعام من موارد للخزينة عبر الضرائب التي يدفعها ومساحة التشغيل لديه بالإضافة الى اسهاماته في المجالات المجتمعية".
"قصيرة النظر" هي الدول التي لا تنمّي القطاع الخاص فيها، وفق قوانين عادلة وناظمة، حسب ما قال الرفاعي، معتبرا ان تنظيم العلاقة بين القطاعين مهما مالت فيها كفّة التسهيلات لصالح القطاع الخاص، فإن القطاع الحكومي هو المستفيد الأكبر لما سيوفره ذلك عليه من عبء البطالة وما سيعيده عليها من ايرادات على المديين المتوسط والبعيد.
"شخوص من يتولون المسؤولية" اليوم، بنظر الرفاعي، يتسببون بجزء كبير من الأزمة، كونهم يتعاملون مع الاستثمارات الخاصة "بالقطعة"، دون توسيع مدى رؤيتهم، "فهم يطمحون لترميم موازنة هذا العام من جيوب المستثمرين"، متجاهلين- حسب الرئيس السابق- موازنة "العام التالي والذي يليه"، الأمر الذي اعتبره الرفاعي يندرج تحت بند "ترحيل الأزمات والهروب من معالجتها". اسباب التصرّف بهذه الطريقة من قبل بعض الشخوص قد لا تكون فقط بسبب "قصر الرؤية"، وفقا للرفاعي، الذي اعتبر أن "البحث عن الشعبية، والرغبة بعدم المعالجة الجذرية، والحرص على الموقع الوظيفي ما أمكن، وغياب آليات التقييم والمتابعة" كلها تندرج ضمن الأسباب والمسببات . الرفاعي، والمعروف كـ"أب روحي" لفكرة الشراكة بين القطاعين العام والخاص في الأردن الحديث، تحدث بأسف عن دور الجانب الحكومي، في "تطفيش" الاستثمارات المحلية والعربية والاجنبية على حد سواء، من خلال "تضييق الخناق" عليها بواسطة قوانين وأنظمة "غير مستقرّة"، وفرض الكثير من الشروط "غير المنتجة" عليها، مضيفا "فضّلت لو أن قانون تشجيع الاستثمار جاء بصفحة واحدة تشجّع المستثمر على بدء مشروعه لدينا بدلا من تعقيد الاجراءات، وتعدد المرجعيات الإدارية، وإنتشار الواسطة، والمحسوبية لبدء المستثمر في كل ما يتعلق باستثماره وتحدث أيضا عن قانون ضريبة الدخل، المنظور اليوم امام مجلس النواب، فتمنى الرفاعي لو أنه "لم يُمس وبقي على حاله"، باعتبار التغيير "لم يكن ضرورة ملحّة" من جهة، كما لن يخدم البنية القانونية للاستثمار في البلاد، وسيعطي المستثمرين العرب والاجانب انطباعا عن هذه البنية بأنها "متذبذبة وغير مستقرة". عدم الاستقرار التشريعي من وجهة نظر الرفاعي، "أحد أهم عوامل طرد الاستثمار وإضعاف استقطاب المستثمرين" في إقليم ملتهب، عدّه اليوم "فرصة تاريخية للأردن" لاستثمار حالة الأمن والأستقرار فيه، ليكون البيئة الحاضنة والمستقطبة لرؤوس الاموال في المنطقة. المشكلات الاقتصادية المحلية المذكورة رأى فيها الرفاعي "بعضا" من العقبات التي تمنع عجلة المال من السير في شرايين وأوردة قطاعات المملكة الاقتصادية، ما أدى بطبيعة الحال إلى ركود اقتصادي مخيف وتباطؤ بالنمو وإرتفاع العجز والمديونية.
ضيف BI يحذّر.. حديث الرفاعي عن الحلول، بدأ بتحذير من "خطورة نهاية هذا العام (2014) على الجانب الاقتصادي في الدولة الأردنية"، كونها- على حدّ قوله- تتضمن العديد من القرارات الصعبة لمجلس الأمّة بشقّيه في قوانين "فاصلة" في الجانب الاقتصادي الاستثماري، إضافة إلى أن نهاية كانون الأول، من المفترض أن تشهد "اكتمالا للخطة العشرية". والقوانين المنظورة في مجلس الأمة، حتى اللحظة تشمل قانون تشجيع الاستثمار، وقانون ضريبة الدخل، وقانون الشراكة بين القطاع العام والخاص وغيرها. الاستراتيجية الاقتصادية العشرية، التي طلبها جلالة الملك من الحكومة، تحدث عنها الرئيس الأسبق، على اعتبار أن أولوياتها متّفق عليها، وأن آليات تطبيقها هي ما يتم التشاور عليه اليوم، لافتا إلى أهمية أن تشرك فعليا "القطاع الخاص في صياغتها وإعدادها"، حسب توجيهات جلالة الملك في رسالته الخاصة للحكومة. أولويات الاستراتيجية الأكثر أهمية يراها الرفاعي أنها: تنمية القطاع الخاص، وخلق فرص عمل تقلل من البطالة، وتوسيع الطبقة الوسطى؛ محذّرا بشدة من تبعات "حل مشكلة العجز المالي على حساب النمو الاقتصادي للمدى الطويل" عبر الاستراتيجية المذكورة من جهة، ومن تكرار تجارب "الكثير من الخطط السابقة" التي أصبحت حبيسة أدراج الوزارات بعد بذل الكثير من الجهد والوقت عليها، من جهة ثانية. "الأرقام لا تعكس الواقع بدقّة"، برأي الرفاعي، هذه هي الجملة التي لا بد أن يأخذها كل من يعمل على الاستراتيجية العشرية بعين الاعتبار، موضحا أنه شخصيا اعتمدها في سياسة حكومته، حين كان عجز الميزانية يساوي أكثر من حجم الموازنة، وأضاف أن "تطوير البنى التحتية" والحيثيات التي تمسّ مباشرة حياة المواطنين، قد تكون "أجدى" للدولة من العمل على اقتصاديات تعتمد الارقام وحسب.
حلول يقترحها الرفاعي.. حلول الاشكالات آنفة الذكر تتأتّى عبر "حزمة" من الاجراءات، بدأ الحديث عنها من "إصلاح التعليم"، ثم "تفعيل شراكة القطاعين العام والخاص" بطريقة تخدم الدولة والأيدي العاملة، معتبرا أن "ترحيل المشكلات" بات غير مجدٍ في المرحلة الحالية، وأن على الدولة أن تتجه لمعالجة الأزمات من جذورها في المرحلة الحالية. وبإسقاط النظريات الإقتصادية العالمية على المجتمع المحلي، يبدو أن أهم ما يقدمه القطاع الخاص لدولة كالأردن، وفقا للرفاعي، هو "التقليل من نسب البطالة" الموجودة في السوق، منبها من خطر بقاء الشباب الأردني "دون عمل" ونتائجه السلبية من عنف وتطرف وفقدان الثقة بالدولة. وقال رجل الدولة الرفاعي إنها (أي البطالة) أخطر على الأردن من كل التحديات والعوامل الخارجية التي تتحدث عنها الدولة، خصوصا في ضوء "جهات أخرى" ذاهبة لإغراء الشباب الأردني بالمال "الذي ينقص أي عاطل عن العمل". "إصلاح التعليم"، طالب في سياقه الرفاعي أن يتم خلق مسارات جديدة للطلاب لتحرير أفكارهم وتوسيع خياراتهم سواء بالمدارس أو الجامعات، إلى جانب ربط مخرجات العملية التعليمية باحتياجات سوق العمل وتوسيع مسار التدريب التقني والمهني لتوسيع مدى الرؤية والخيارات في سياسات التعليم. الرؤية الموسّعة، ضرورة حتمية، برأي ضيف "BI"، الذي يؤكد أنها الحل الأمثل حتى لا يحصل "تكدّس" أكبر في أعداد العاطلين عن العمل، ما سيفتح مدارك الطلبة على "خلق فرصهم الفردية" من جهة، وسيساعد صناع القرار في ملاءمة متطلبات سوق العمل مع مخرجات المؤسسات التعليمية المختلفة من جهة أخرى. "ضرورة إتمام قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص المطروح اليوم في مجلس النواب وتفعيله"، يراه الرفاعي أيضا كمحرك لعجلة الاقتصاد المحلي، كونه يتعامل بطريقة "مصلحية"، تطوّع القوانين لصالح المستثمر، مقابل خلق فرص عمل للمتعطلين في الأردن، موضحا أهمية ذلك بكون الجامعات تخرّج سنويا 100 ألف شاب وشابة، في حين لا تستطيع القطاعات الحكومية استيعابهم في قطاعاتها المختلفة. ويوضح الرئيس الأسبق ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الأعيان الرفاعي، تداعيات تفعيل الشراكة المذكورة بكونها تنسحب على القطاعات المختلفة، كون العاملين في مؤسسة خاصة، وضمن "شروط عمل جيّدة" لا يحتاجون لمساعدات التنمية الاجتماعية، كما يصبحون مؤمنين صحيا بعيدا عن التأمين الحكومي ما يخفف على الدولة عبء فاتورة وزارة الصحة وغيرها.
وتخفيف نسب المحسوبين ضمن نسب البطالة، من المفترض به أيضا أن يؤدي بـ"الطبقة الوسطى" لاستعادة حجمها الطبيعي وفقا للرئيس الأسبق، فيغادر عددا من الأردنيين مستقرهم ضمن الطبقة الفقيرة، وينهضوا للطبقة الوسطى مجددا.
على الدولة، أن تغدو " جهة رقابية" أكثر من كونها "متدخّلة" في عمل القطاع الخاص، حسب الرئيس الشاب الأسبق، الذي اعتبر أن "دور القطاع الحكومي كرقيب ومنظّم" لعمل المستثمرين، من أهم الأدوار التي يمكن أن تضطلع بها الدولة.
وأضاف أنه "شخصيا" يقيم بتجرد وموضوعية ناجمة عن خبرته الإقتصادية وغياب اية مصلحة شخصية له لدى القطاع الخاص كونه "لا يملك أية أعمال فيه"، ما يجعله يعتبر نفسه واقف على مسافة واحدة من الجميع، مدفوع بالحرص على المصلحة العليا للإقتصاد الوطني.
وأوضح: "ادعو لتسهيل عمل القطاع الخاص وليس اعفائه من مسؤولياته الاجتماعية، وأطالب بإيجاد تشريعات ناظمة للاستثمارات الناجحة، تحثها على تنمية المجتمع من خلال تعزيز دورها فيه وتنظيم قانون للمسؤولية المجتمعية ورابطها الضريبي، بما ينعكس على تنمية المجتمعات المحلية والمحافظات".
وربط الرفاعي بين التعليم وفقا لقواعد سوق العمل، ودعم الحكومة للجامعات الحكومية، إذ عدّ أن الثانية ينبغي لها أن تتأثر بالأولى، فلا تدعم الحكومة الأردنية أيا من الجامعات التي يعتبر خريجوها "عسيرو الهضم على سوق العمل"، كونها ستكون "معززا اضافيا لازمة البطالة"، وعبئا على الموازنة في ذات الوقت.
ما سبق، إلى جانب "رزمة" من التشريعات والاعفاءات الضرورية لضمان إيصال الدعم إلى مستحقيه، وإعادة النظر بموضوع اللاجئين والاجانب الموجودين في البلد وإدارة هذا الملف بطريقة سياسية وإقتصادية سليمة التي يرى فيها الرفاعي جزءا كبيرا من حلول المشكلات والأزمات الاقتصادية الموجودة في البلاد، خصوصا و"نحن نحيا الوقت الأكثر ملاءمة وحاجة لاستراتيجية اقتصادية حقيقية".
توسيع أفق الدولة في التعاملات، أصبح حاجة إضافية وجد فيها رجل الاقتصاد الشاب حلّا جزئيا للمشكلات، مشجعا الحكومة على خطوة التعامل بـ "الصكوك الاسلامية"، "خصوصا وقد ثبت للعالم أجمع مدى أهمية فكر الاقتصاد الاسلامي وتقدّمه".
الرفاعي والذي ترأس مجلس إدارة "بنك الأردن دبي الإسلامي" وغيره من البنوك، شجّع على توسيع الدولة لخيارات الاقتصاد الاسلامي، موضحا أن المواطن الاردني أيضا "ميّال" للتعامل بالتمويل الاسلامي، ومتسائلا "لماذا لا نوسّع خياراتنا جميعا في هذا المجال؟".