ليبيا تحارب نفسها بإسناد إقليمي ينذر بصومال جديد

جفرا نيوز- يقتتل الليبيون بسلاح تتوزعه نحو 1700 مجموعة مسلحة ذات أجندات ثورية وقبلية وقذافية ومتشددة، وسط تدخل خارجي يغذي الصراع في الجزء الغاطس منه، بينما يلح علنا على حوار فشل في نسخه العربية والدولية في الدفع بأي تسوية في البلاد الممزقة بين حكومتين وبرلمانيين صوريين.
واعتبر محللون ان ليبيا تحارب نفسها باسناد اقليمي مما ينذر بصومال جديد سيوجد متاعب لا تحصى لجواره الاقليمي.
ويظهر الصراع الدموي الليبي بصفته انعكاسا لصراع معسكرين عربيين، يتبنى الاول، حكومة عبدالله الثني والجيش بقيادة اللواء المعاد خليفة حفتر ومجلس النواب المنتخب وهم يتمركزون في طبرق شرقا، في حين يدعم المعسكر الثاني المؤتمر الوطني المنتخب وحكومة طرابلس وقوات الثوار التي تحمل اسم "فجر ليبيا" .
في الخلفية تبدو دولة الامارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر في معسكر داعمي اللواء حفتر وجماعته، بينما تظهر دولة قطر مساندة لحكومة طرابلس والمؤتمر الوطني المنتخب الذي ادعى فريق اللواء حفتر انتهاء ولايته.
ويتوقف المحللون عند اسئلة من مثل : من يحارب من؟ وماذا يريد كل طرف؟ اذ ان الإجابة ليست سهلة، لأن الجزء الغاطس من المشهد أكبر بكثير مما يظهر منها.
ولاحظ محللون ان اللواء خليفة حفتر بصفته رأس حربة معسكر طبرق عمد في 21 أيار(مايو) الماضي الى اعلان الانقلاب على السلطة في بيان بثته قناة العربية، في حين أن هناك غرفة عمليات للتنسيق مع الطرف الآخر في العاصمة القطرية.
واعتبروا انه في الوقت الذي تتحدث غالبية المنابر الإعلامية العربية الناطقة باسم دول حلف موالاة اللواء المتقاعد وجماعته عن نجاحات عسكرية على الأرض ضد "ميليشيات الإرهابيين" في بنغازي، فإن منابر الطرف الآخر ما برحت تتحدث عن تراجع عناصر الثورة المضادة، وتفصل في عمليات الاغتيال التي مارستها ميليشيات "الصحوات" التابعة لها، وهي مجموعات قبلية تضم أعدادا من خريجي السجون وأنصار القذافي. وقالوا ان "هذا التعاون واضح في تغطية قناة العربية الموالية لحفتر، ومتابعات قناة الجزيرة المؤيدة للطرف الآخر، حتى ليبدو وكأن كل قناة تتحدث عن أحداث بلد مختلف، في حين انها معركة واحدة يقرأها كل طرف من زاويته، وحسب ما يتمناه".
ولفتوا الى انه في حين يبدو الاستقطاب واضحا في خطاب الإعلام العربى، فإن وسائل الإعلام الغربية تحللت من ذلك القيد إلى حد كبير، بحيث أصبحت فرصة فهم مجريات الأحداث في ليبيا أفضل لدى من يتابعها. احد المحلين اورد مثالا في هذا السياق مقالة بعنوان "اخطاء في تحليل الأزمة الليبية" للدبلوماسي الفرنسي السابق باتريك حايمزاده، ونشرها موقع "أوريان 21" في مطلع آب(أغسطس) الماضي، ومن أهم ما ذكره الرجل انه انتقد فكرة توصيف الصراع باعتباره بين معسكرين أحدهما إسلامي والآخر ليبرالي. واعتبر الكاتب الفرنسي ذلك من قبيل الاجتزاء والتبسيط المغلوط، معربا عن دهشته من ان يضم المعسكر "الليبرالي" ضباطا سابقين في جيش القذافي وسياسيين من رجاله، وقال ان جميع قادة ذلك المعسكر يشملهم قانون العزل السياسي الذى يمنع من شغلوا مناصب رفيعة في ظل النظام السابق من أداء أي دور في الحياة السياسية الليبية.
وقال الكاتب الفرنسي ان الثوار الذين قاتلوا قتالا شرسا من أجل الديمقراطية ونجحوا في اسقاط نظام القذافي، فقد أصبحوا يقدمون في وسائل الإعلام باعتبارهم إسلاميين متشددين وإرهابيين، وفي رأيه ان تحالف الثوار يضم بعض الإسلاميين حقا، لكنهم لا يشكلون أغلبية، وضرب لذلك مثلا بتحالف مصراتة الذى يخوض المعركة ضد حفتر وجماعته، حيث قال ان نواته الصلبة تتألف من الوجهاء المحليين والتجار.
ومع تنامي حضور القبائل، لاحظ المحللون انها حاولت ان تعقد مؤتمرا لها في بريطانيا ولما لم يرحب بها طرحت الفكرة على إيطاليا التي اعتذرت بدورها، وانتهى الأمر بعقد المؤتمر في دولة الامارات. ومنذ ذلك الحين تحولت قبائل الزنتان إلى رأس حربة في الاشتباك مع الثوار، وبدأت ملامح التجاذب بين أنصار النظام السابق الذين تحالفوا مع الرموز الرافضة للتوجه الإسلامي الذي برز في محيط الثوار، وبدا التنافس بين المجموعتين حول إدارة شؤون البلاد. وهو ما كان سياسيا في البداية، إلا ان المجموعة الأولى التي قدمت نفسها بحسبانها تيارا مدنيا ووجها ليبراليا لم تنجح في تحقيق طموحها، فدخل اللواء خليفة حفتر وفريقه على الخط بحيث تحول التجاذب السياسي إلى صراع مسلح، استعان فيه حفتر بالقوى الخارجية التي ساندته عسكريا بعدما تحصن في طبرق، التي كان تمويلها بالعتاد ميسورا عن طريق البحر.
ولفت المحللون الى انه حين قام اللواء حفتر بانقلابه فإنه اتهم مجموعات الثوار الأخرى بأنهم متشددون وإرهابيون. ورفع شعار الدعوة إلى تطهير ليبيا من الإرهابيين. إلا أن الطرف الآخر المؤيد للثورة كانت له كياناته النشطة على الأرض، وقد اكتسبوا خبرة من مرحلة الصراع ضد نظام القذافي. بالتالي فقد كان بمقدورهم ان يسيطروا على طرابلس وان يفشلوا محاولة قوات حفتر التي كانت مدعومة جوا من السيطرة على بنغازي.
ويرى المحلون ان تسلح القبائل، الذي كان من آثاره سعيها إلى السيطرة على المناطق التي توجد عليها وعلى المرافق الحيوية، في محاولة منها لفرض نفسها في عملية توزيع السلطة والثروة، كانت من أهم تمظهرات جنوح اقليم برقة إلى الحكم الذاتي وإنشائه حكومة وجيشا، وهو ما يهدد بتحول ليبيا إلى دويلات قد تتصارع مع بعضها بعضا، أو مع السلطة المركزية، كما حدث في الأزمة بين حكومة علي زيدان السابقة والمجلس التنفيذي لبرقة عندما عمل الأخير على تصدير النفط بعيدا عن سلطة الحكومة المركزية. كما أن من آثار انتشار السلاح بين القبائل وقوع اشتباكات في ما بينها كالتي تعرفها مناطق الجنوب بين القبائل العربية وغير العربية، وهو ما يهدد بخطر حرب قبلية كما كان الأمر في الصومال.
تدويل أزمة ليبيا يعتبره المحللون، تحصيل حاصل بمعنى تحول البلاد الى ساحة لتصريف الخلافات العربية التي لن تعمل إلا على خلق حالة من التوازن بين أطراف الصراع ستصعب بدورها من إيجاد التسوية وتقديم التنازلات، خاصة أن لها الموارد المادية الكافية التي يمكن ان تعينها على الصمود في مواقفها، بفعل ما تتوفر عليه البلاد من ثروات نفطية وغاز.
ويقترح محللون ان يجري إخضاع ليبيا إلى مقتضيات الفصل السابع من الميثاق الأممي، باستصدار قرار جديد من مجلس الأمن الدولي يعطي لحلف الناتو الحق في استعمال القوة لضرب المجموعات "الإرهابية".
لكن المحللين يرون أن هذه الخطوة قد تثير الجدل حول أي مجموعات ستستهدف، هل هي تلك المدرجة في اللائحة الدولية للإرهاب كأنصار الشريعة، أم أن الأمر سيشمل كل المليشيات الإسلامية في ليبيا، التي يصفها خصومها بالإرهابية، والتي تشارك في عملية فجر ليبيا وتحظى بغطاء سياسي من المؤتمر الوطني الليبي، مما يعني أن استهدافها قد يفسر على أنه استهداف لجبهة بأكملها، هذا من دون نسيان الغطاء الاجتماعي الذي تحظى به هذه المجموعات، حيث أن البعد القبلي حاضر بقوة في ليبيا، وأي استهداف لأبناء القبيلة سيثير ردود فعل من القبيلة بأكملها.
ويؤكد المحللون أن أي تدخل تحت غطاء أممي بأهداف غير واضحة قد يكرر سيناريو الصومال نفسه الذي كانت نتيجته تحول المنظمة إلى طرف في النزاع، بعد أن رأت فيها الفصائل الصومالية قوة احتلال وجعلتها هدفا لهجماتها، مما اضطرها في نهاية المطاف إلى إعلان فشلها وانسحابها من هذا البلد من دون حل الأزمة.